جنرالات أكتوبر.. أبطال صنعوا مجد الانتصار وحققوا الصعاب

نعرض فى هذا الملف أهم قادة حرب أكتوبر الذين لم يتم تسليط الأضواء على دورهم بالشكل الكافى، بعيدا عن دور الرئيس الراحل محمد أنور السادات، والرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك، اللذان فرد التاريخ سطوره أمام دور كل منهما، كان لهذه الحرب أبطال وقادة يعتبر للبحث فى تاريخهم ودورهم خلال الحرب أهمية خاصة خلال تذكرنا لنصر مصرى فى واحدة من أهم المعارك العسكرية خلال القرن الماضى.

أحمد إسماعيل.. من “التجارة” لـ”الحربية”.. إلى تأسيس “الصاعقة”
هو القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية المصرى خلال حرب أكتوبر، ووفقا لمجلة الجيش الأمريكى فهو واحد من 50 شخصية عسكرية عالمية أضافت للحرب تكتيكا جديدا.

أحمد إسماعيل على لم يكن سوى واحد من عامة الشعب المحرم عليهم الدخول إلى الجيش قبل عهد الملك فاروق، تقدم مرتين وتم رفضه فى الأولى فالتحق بكلية التجارة، وفى العام الثانى من التجارة تقدم هو والرئيس أنور السادات إلى الكلية الحربية مرة أخرى وتم رفضهما معا لأنهما من عامة الشعب، ولكنه لم ييأس حتى صدر قرار الملك فؤاد الأول بقبول الضباط من عامة الشعب، وكانت دفعته والدفعة التالية هى نواة تكوين الضباط الأحرار.

تألق إسماعيل فى حياته العسكرية، بدأ من لحظة تخرجه الأولى عام 1938، حيث سافر فى بعثه للتدريب بدير سفير بفلسطين عام 1945 وجاء ترتيبه الأول على الضباط المصريين والإنجليز، ثم عاود النجاح فى الحرب العالمية الثانية وذاعت شهرته كضابط مخابرات فى الصحراء الغربية، ثم قائد لسرية مشاة فى رفح وغزة، وهى الخبرة التى أهلته ليبنى نواة قوات الصاعقة عام 1956.

فى تمام الساعة الثالثة من عصر يوم 26 أكتوبر 1972 استدعى الرئيس محمد أنور السادات إسماعيل فى منزل الرئيس، وكلفه بوزارة الحربية والاستعداد بأقصى كفاءة للحرب القادمة مع إسرائيل.

شكل إسماعيل دورا مهما وقياديا خلال حرب أكتوبر وأنقذ الجبهة المصرية من الانهيار، كما كان أحد أطراف الصراع بين الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس هيئة الأركان، والسادات، وانحاز إسماعيل وقتها لتنفيذ أوامر رئيس الجمهورية، وحصل بعد الحرب على رتبة مشير وهى أرفع رتبة عسكرية مصرية ليصبح ثانى ضابط مصرى يحصل عليها بعد المشير عبد الحكيم عامر.

سعد الدين الشاذلى صاحب “المآذن العالية”
هل شاهدت الخطة العبقرية لعبور قناة السويس وتدمير خط بارليف فى أحد أفلام حرب أكتوبر الشهيرة، ربما سمعت عن عبقرية هذه الخطة فى أحد البرامج التليفزيونية فى كل ذكرى لهذه الحرب، إن كان هذا المشهد يبهرك فيجب أن تعرف أن من كان يقف وراءه هو الفريق سعد الدين الشاذلى وخطته المحكمة “المآذن العالية”.

عقب تعيين الفريق سعد الدين الشاذلى رئيسا للأركان فى مايو 1971 عكف على إعداد خطة العبور تحت اسم “المآذن العالية” لتكون أول خطة هجومية تضعها القوات المسلحة المصرية بعد هزيمة عام 1967، وهى الخطة التى لاقت نجاحا أبهر قادة الجيوش فى كل العالم.

ودون الشاذلى فى كتابه “حرب أكتوبر” قائلا: “فى أول 24 ساعة قتال لم يصدر من القيادة العامة أى أمر لأى وحدة فرعية .. قواتنا كانت تؤدى مهامها بمنتهى الكفاءة والسهولة واليسر كأنها تؤدى طابور تدريب تكتيكى”.

وبنى الشاذلى الخطة من خلال دراية بضعف إمكانات القوات الجوية والدفاع الجوى المصر مقارنة بالجيش الإسرائيلى، وهو ما يضع صعوبة كبيرة فى إجراء عملية هجومية كبيرة، فاعتمد على عملية محدودة تقوم على تدمير خط بارليف واحتلال ما بين 10 إلى 12 كيلو مترا شرق القناة فقط لضرب إسرائيل فى نقطتين محددتين هما عدم قدرتها على تحمل الخسائر البشرية بسبب قلة عددها، وإطالة مدة الحرب قدر الإمكان لأن إسرائيل كانت تقوم بتعبئة الجيش فى ذلك الوقت بحوالى 18% من الشعب وهو ما يعنى توقف شبه كامل فى جميع نواحى الحياة بها.

عقب النجاح المبهر للعملية بدأت تلوح فى الأفق بوادر خلاف ضخم بين الشاذلى والسادات حينما قرر السادات تطوير الهجوم لأكثر من 12 كيلو وهو الموقع الذى تقف فيه القوات بحماية الدفاع الجوى ورفض الشاذلى بقوة هذا القرار، إلا أن السادات أصر على موقفه وهو ما أدى إلى خسائر فادحه تطورت حتى وصلت إلى ما يعرف الآن بثغرة الدفرسوار التى كادت تؤدى إلى هزيمة القوات المصرية بشكل كامل.

ومنذ ذلك الوقت لم تهدأ الخلافات بينه وبين السادات حتى قام بتسريحه من الجيش وهو فى قمة عمله العسكرى بعد حرب أكتوبر مباشرة، وتطورت الأمور مع كامب ديفيد التى عارضها الشاذلى مرة أخرى لتتسع الفجوة وتستمر فى الاتساع حتى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك.

“الجمسى” رئيس هيئة العمليات
لماذا وكيف تم اختيار الثانية من ظهر السادس من أكتوبر بكل ما يحمله التاريخ من عبقرية اعتمدت على أن اليوم هو عيد الغفران عند الإسرائيليين، وقبل حلول الشتاء فى سوريا وظهور الثلج، حيث تعد سوريا هى إحدى جبهات الحرب المهمة، وإتمام وصول بعض الأنواع المعينة من الأسلحة، واستخدام ضوء القمر والمد والجزر.. كل هذا كان فى دراسة سميت “كشكول الجمسى” نسبة للمشير الجمسى الذى كان يرأس هيئة العمليات للقوات المسلحة ورتب لكل هذا.

إلى جانب التخطيط لتفاصيل عمليات الحرب أجرى الجمسى دراسة مفصلة اعتمدت على البحث فى الموقف العسكرى للعدو وللقوات المصرية والسورية فى نفس الوقت.

ووضعت أمام الرئيس المصرى محمد أنور السادات والرئيس السورى حافظ الأسد لاختيار الموعد المناسب للحرب، وعرفت فيما بعد بكشكول الجمسى.

اختلف أو اتفق مع أنور السادات وسعد الدين الشاذلى، ولكن عقب إقالة الشاذلى من رئاسة الأركان بينما كان الجنود محاصرين كان يجب أن يقف رجل لتحمل المسئولية، وهنا حملها الجمسى حيث عينه السادات على الفور لرئاسة الأركان، وبدأ بالفعل فى تجهيز خطة لمهاجمة الثغرة وتدميرها وأسماها “شامل” إلا أنه لم ينفذها بسبب صدور وقف إطلاق النار.

قائد القوات البحرية فؤاد ذكرى
خبر انزوى فى مساحة صغيرة بالصحف عن توجه ثلاث قطع بحرية مصرية إلى أحد موانئ باكستان للصيانة الدورية.. تحركت القطع نحو ميناء عدن وهناك صدرت الأوامر بالتوجه إلى أحد موانئ الصومال فى زيارة رسمية قبل أن تعود مرة أخرى إلى عدن.

كانت تنتظرهم هناك مظاريف مغلقة وأوامر بعدم فتحها إلا بعد أن تصلهم إشارة معينة، أيام ووصلت الإشارة بأنها الحرب، وأن التحرك نحو مضيق باب المندب فى سرية تامة لتقوم القطع البحرية بواحدة من أكبر مناورات البحرية وتغلق الخناق المائى وتشل حركة البحرية الإسرائيلية ووصول المعدات والأمتعة للمحتل المحاصر.

فى الخلفية كان يقف رجل عريشى هو الفريق فؤاد ذكرى، تدرس الآن إنجازاته فى الأكاديميات البحرية العالمية، والبداية كانت بعد أسبوع واحد من هزيمة يونيه عام 67، تولى مسئولية قيادة القوات البحرية فقام ببنائها من جديد، وخطط لأروع الإنجازات خلال حرب الاستنزاف كان أهمها تدمير المدمرة “إيلات”، حيث كان أول من يقوم بضرب مدمرة مستخدما لنشات الصواريخ لأول مرة فى تاريخ البحرية فى العالم.

الضربة البحرية التى أعد لها ذكرى فى حرب أكتوبر كانت هى إشارة النصر خلال الحرب، حيث سمحت المناورة التى قام بها ووضع السفن فى مضيق باب المندب بمتابعة حركة جميع السفن العابرة فى البحر الأحمر وتفتيشها، ولم تجرؤ سفينة إسرائيلية واحدة على عبور مضيق باب المندب طوال الحصار، وكانت الأوامر لهذه الوحدات الثلاث بتفتيش السفن المشتبه فى اتجاهها إلى إسرائيل ومنعها، وإذا لم تمتثل يتم إطلاق مدفعية عليها.

كما انتشرت الغواصات المصرية فى المنطقة ما بين جدة وبور سودان وكانت مكلفة بتدمير أى وحدة بحرية متجهة شمالاً إلى ميناء إيلات، ونفذت هذه الوحدات مهامها على أكمل وجه فقد اعترضت المدمرات 200 سفينة تجارية.

وعن معركة إيلات قال (زئيف) الكاتب الإسرائيلى فى كتابه – زلزال فى أكتوبر-: (فور تلقى قاعدة إيلات بلاغاً من ربان نقالة تم اعتراضها عند باب المندب تم إخطار الحكومة المصغرة برئاسة جولدا مائير وصدرت الأوامر فوراً بوقف ملاحة السفن الإسرائيلية نهائياً فى البحر الأحمر، وبذلك أغلق ميناء إيلات طوال فترة عمليات أكتوبر وحرمت إسرائيل من النقل البحرى بنسبة 100 % فى البحر الأحمر ليتم حرمانها من السلع والأسلحة والذخيرة والبترول وغير ذلك).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *