الرئيسية / ملفات خاصة / حجّة الوداع.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا

حجّة الوداع.. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا

كتب حازم حسين

بدءًا من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمّدًا رسول الله تتابع وتصطف أركان الإسلام لتبلغ خمسة أركان يحتل آخرها الحج، ربما لا يكون التأخير لاعتبارات تأخّر الأهمية عن أقرانه فى أعمدة وأركان الدين قدر الاعتبار الكبير لفكرة المشقة والاستطاعة والتكلفة، فهو تأخير التيسير لا تأخير الإهمال والإبعاد، وربما تكون فى حجة الرسول الواحدة التى أدّاها فى حياته دلالات مهمّة فيما يخص هذا التيسير وعدم تكليف المسلمين المشقة والعناء فى إتيان الطقوس والعبادات التى يرتّبها دينهم كحلقات تواصل وتقرّب من الله، فأولى حجّات الرسول هى أخراها، فإذا كان نبى الدين وحبيب الله لم يحج بيته الحرام ويرتقى جبله المقدّس “جبل عرفات” وينحر ويُحرم ويرجم ضمن مناسك الحج سوى مرة واحدة، فهى رسالة لعموم المسلمين بألا يشقّوا على أنفسهم فيما يسّره لهم الله والدين.

الاختلاف الكبير فيما يخصّ التأريخ لفرض الحج وبداية اعتماده كعبادة واجبة على المسلمين ربما يحمل تفسيرًا لحقيقة أن الرسول لم يحج إلا حجّة واحدة، فما بين الآراء التى ترّد إقرار وفرض الحج إلى السنة الخامسة من الهجرة، أو إلى السنة السادسة، ترجح آراء كثيرة ترّد الأمر إلى السنة التاسعة أو السنة العاشرة، ولكن ما بين كل هذه الاختيارات – وبفرض صحة أى من الرأيين الأخيرين – فإن هذا لا يُخرج الأمر عن حقيقة كونه ترتيبًا إلهيًّا لم يترك متّسعًا للرسول لحج بيته الحرام إلا مرّة واحدة لتكون سُنّته فى متناول كثيرين من المسلمين، وغير قاسية أو مجحفة وصعبة المنال بالنسبة للقطاع الغالب منهم.

عرفات

الحج والعمرة.. بين فرض الله وسُنّة الرسول

اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أربع مرّات طوال حياته ونبوّته، وهى: عمرة الحديبية فى السنة السادسة من الهجرة، عمرة القضاء فى السنة السابعة، عمرة الجعرانة فى السنة الثامنة، والعمرات الثلاث كنّ فى شهر ذى القعدة، بينما كانت العمرة الرابعة فيما بين آخر ذى القعدة وأوائل ذى الحجة من السنة العاشرة من الهجرة، وهى عُمرته فى حجّة الوداع، وذلك وفق رواية عبد الله بن عباس: “اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطئوا على عمرة من قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التى قرن مع حجّته”، رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه بسند صحيح.

وبينما يختلف كثيرون من الفقهاء بين وجوب العمرة أو كونها سنّة نبوية، فإن الحج المقطوع بفرضيّته بنص القرآن والأحاديث الصحيحة لم يأته الرسول صلى الله عليه وسلم غير مرة واحدة فى السنة العاشرة من الهجرة وقبل وفاته بعدّة شهور، وهى الحجة التى قال فيها خطبته الشهيرة بـ “خطبة الوداع” والتى حملت تلخيصًا وافيًا لقيم ومبادئ الإسلام، وحملت وصايا الرسول للمؤمنين الذين زيّنوا هامة جبل عرفات بالألوف خلال هذه الحجة، وهى الحجة التى نزلت فيها – تحديدًا يوم عرفة وبعد خطبة الوداع – الآية القرآنية الأخيرة فى النزول: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا”، والتى تحمل معنى واضحًا مباشرًا يخصّ تمام الدين وتمام رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، ولعلّ هذا ما دفع عمر بن الخطاب إلى البكاء والنشيج حينما سمع هذه الآية، وعندما سأله الرسول عن السبب قال له: “لأنه ليس بعد التمام إلا النقصان” وفقا لرواية البخارى فى صحيحه، وهو ما كان بعد ثلاثة شهور تقريبًا، وفى الربع الأول من العام التالى، بوفاة الرسول وانتقاله إلى جوار ربّه.

مناسك الحج بالترتيب

حجة الوداع.. تفاصيل الخروج وأداء الرسول للمناسك

فى الخامس من شهر ذى الحجة فى السنة العاشرة من الهجرة نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعلنًا اعتزام الرسول الخروج لزيارة مكة المكرّمة وبيت الله الحرام حاجًّا ومُعتمرًا، فكان أن تجمّع حوالى 144 ألف مسلم ومسلمة خارجين معه لأداء مناسك الحج، وقد استعمل الرسول على المدينة فى غيابه أبا دجانة الساعدى الأنصارى، وأحرم للحج من المدينة ثمّ لبّى قائلًا: “لبيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك”، وفقًا لرواية البخارى فى صحيحه، فى كتاب التلبية فى باب الحج.

ظلّ الرسول مُلبّيًا حتى دخل مكّة المُكرّمة، فطاف سبعة أشواط بالكعبة ثمّ استلم الحجر الأسود، قبل أن يُصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم ويشرب من ماء زمزم، ثمّ توجّه للسعى بين الصفا والمروة، وفى اليوم الثامن من ذى الحجة “يوم التروية” ذهب إلى “مِنى” فبات فيها، وفى اليوم التاسع توجّه إلى مشعر عرفة المقدّس فصلى هناك الظهر والعصر جمع تقديم فى وقت الظهر، ثمّ خطب خطبته الشهيرة “خطبة الوداع”، وبعد غروب شمس يوم عرفة نزل الرسول وصحابته متوجّهين إلى “مزدلفة” فصلوا المغرب والعشاء جمع تأخير فى وقت العشاء، ثمّ عادوا إلى “مِنى” فأتموا مناسك الحج من نحر وحلق وتحلُّل ورمى للجمرات ثمّ طواف الإفاضة.

طوال رحلة الحج وتفاصيلها كان المسلمون المرافقون للرسول صلى الله عليه وسلم حريصين على السؤال فيما يخص كل دقائق وتفاصيل الحج ومناسكه، بينما كانت إجابات الرسول فيما يخص أسئلتهم عن بعض أعمال الحج كالترتيب بين الحلق والتحلُّل من الإحرام ورمى الجمرات تحمل تيسيرًا وتسهيلاً كبيرين، فكان يقول دومًا: “افعلوا ولا حرج”، وبعد الانتهاء من كامل مناسك الحج ظلّ الرسول عشرة أيّام فى مكّة المكرّمة قبل أن يقفل عائدًا إلى المدينة المنورة فى مطلع النصف الثانى من ذى الحجة.

خطبة الوداع.. اكتمال الدين وإشارات الرحيل

ألقى الرسول صلى الله عليه وسلم خطبته على جمع من صحابته الذين قصدوا موسم الحج فى معيّته، وهم زهاء 144 ألف حاج وحاجة، وأكّد فى هذه الخطبة على مجموع قيم ومثل ودعوة الإسلام فيما يتّصل بحرمة أموال ودماء المسلمين إلا بحقّها، وحرمة الربا وخطورة التعامل به وآثاره السلبية على المجتمع المسلم، وإبطال عادات الجاهلية الشائنة الشوهاء ومنها الثأر، والدعوة إلى احترام وإجلال النساء وإيفائهن حقوقهن، ثم التأكيد على أخوة المسلمين ووحدة مصيرهم ومصالحهم والدعوة إلى التمسّك بكتاب الله وسنّة نبيه والاعتصام بهما مُحذِّرًا من الاختلاف والفُرقة والتناحر فيما بين المسلمين، وقد بدأ الخلاف بين المسلمين من الخطبة نفسها، التى رآها الشيعة فيما بعد سندًا لدعوتهم إلى ولاية أهل البيت وأنها تحمل من أقوال الرسول ما يُرتّب هذا الأمر، فبينما فهم المسلمون السنّة جملة الرسول “تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدًا” على أنها تشير إلى القرآن والسنّة النبوية وحسب، فهمها الشيعة فيما بعد على أنها تشير إلى آل البيت وأن السنّة حرفوا النص الأصلى الذى يقول: “أَيُّهَا النَّاس، إِنِّى تَركتُ فيكُم الثَّـقَلين: كِتابَ اللهِ وَعِترَتِى، أهلَ بَيتى”، وكان نص الخطبة نفسها على هذا المنوال:

“الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذى هو خير، أما بعد؛

أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم، فإنى لا أدرى لعلّى لا ألقاكم بعد عامى هذا فى موقفى هذا، أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد – فمن كانت عنده أمانة فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا، وإن أول ربا أبدأ به عمّى العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة – غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مئة بعير – فمن زاد فهو من أهل الجاهلية، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

جبل الرحمة

أما بعد، أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يُعبَد فى أرضكم هذه، ولكنه قد رضى أن يُطاع فيما سوى ذلك ممّا تحرقون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسىء زيادة فى الكفر يُضلّ به الذين كفروا يُحلّونه عامًا ويُحرِّمونه عامًا ليوطئوا عدة ما حرّم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا فى كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب “مضر” الذى بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

الحجاج على جبل عرفات

أما بعد، أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقًّا ولكم عليهن حق، لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله فى النساء واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه – ألا هل بلغت اللهم فاشهد – فلا ترجعن بعدى كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

أيها الناس، إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.

خريطة حجة الوداع

أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية فى أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *