الرئيسية / ملفات خاصة / مترو الأنفاق.. شرايين القاهرة الكبرى الممتلئة بالناس والقطارات
مترو الانفاق

مترو الأنفاق.. شرايين القاهرة الكبرى الممتلئة بالناس والقطارات

طالما كانت أزمة مصر كبلد وشعب فى سياقها الجغرافى المأهول، فبينما تمتد رقعتها الجغرافية على وجه العالم والكرة الأرضية لتشغل مليون كيلو متر مربّع تقريبًا، لا تشغل النسبة المأهولة بالسكان والأنشطة الزراعية والاقتصادية والحياتية أكثر من 7% فقط من هذه المساحة، وهو ما أنتج تكدُّسًا وارتفاعًا متزايدًا فى الكثافة السكانية عامًا بعد عام، تزداد حدته ووضوحه مع نسبة زيادة سكانية تصل إلى 2% تقريبًا بينما الرقعة المسكونة من الوطن ثابتة لا تزيد.

هذه المشكلة الجغرافية والعمرانية أنتجت أزمة كبيرة فى حياة الناس ومسكنهم وتحرّكاتهم فى المجال العام، وتزداد هذه الأزمة حدّة ووضوحًا فى العاصمة وإقليم القاهرة الكبرى، باعتبار مصر بلدًا مركزيًّا على المستوى الإدارى والتنفيذى، وتتركّز أغلب وأهم أنشطته الاقتصادية والتجارية فى العاصمة ومحيطها، وهو ما جعل القاهرة والجيزة والقليوبية – إقليم القاهرة الكبرى – منطقة جاذبة للتوافد السكانى والهجرات الريفية، وأنتج احتياجًا دائمًا إلى تطوير خطط وبرامج وآليات لمواجهة مشكلات التكدّس السكانى والزحام، وأولى المشكلات الناتجة عن هذه الصورة الديموجرافية “التكتلات ونسب السكان فى مناطق ومساحات البلاد” هى مشكلة التكدّس المرورى والزحام، والتى بدأت فى إشهار سيفها بحدّة ووضوح منذ خمسينيات القرن العشرين، لذا كان لا بد من البحث عن خطط وبرامج وحلول لمواجهة هذه المشكلة، والتى كان فى طليعتها إعادة تخطيط وتهيئة الشوارع والطرق والمحاور المرورية، وإقامة منظومة من الأنفاق والكبارى العلوية، وزيادة قدرة وفاعلية وطاقة خطوط ومركبات النقل العام، وذلك بالطبع بالإضافة إلى أهم وأبرز وسائل مواجهة هذه الظاهرة وأكثرها نجاحًا، وهى شبكة وخطوط مترو الأنفاق.

شعار المترو

 

  مترو الأنفاق.. ولادة الفكرة ومسار الإخفاقات

كانت مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر تقف ندًّا مكافئًا للدول الكبرى والحديثة فيما يتّصل بجوانب العمران والتحديث، فهى الدولة الثانية فى العالم – بعد المملكة المتحدة “بريطانيا” – التى عرفت خطوط السكك الحديدية فبدأت فى إنشاء خطها الأول الرابط بين السويس والإسكندرية عام 1834 ولكنه تعكّل نتيجية اعتراضات سياسية من فرنسا، فتوقّف المشروع 17 عامًا إلى أن تمّ إحياؤه ببدء العمل فى مدّ قضبان الخط الرابط بين القاهرة والإسكندرية عام 1851 والذى افتُتِح فعليًّا عام 1854، لذا كان من الطبيعى أن تفكر مبكّرًا فى خطوط وقطارات مترو الأنفاق كوسيلة مهمة من وسائل النقل وتلافى مشكلات الزحام والتكدّس السكانى، وكانت بداية التفكير فى هذا المشروع عبر أحد مهندسى الهيئة القومية لسكك حديد مصر، المهندس سيد عبد الواحد، فى ثلاثينيات القرن العشرين، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وظروف التوترات الدولية والحرب العالمية الثانية عطّلت الفكرة، فلم تدخل حيز التنفيذ.

مع قيام ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، وإنهاء الملكية وإعادة صياغة النظام السياسى والاجتماعى والاقتصادى لمصر، زاد حجم الاقتصاد وحركة التصنيع والتجارة والنقل، وزادت حركة المواطنين أيضًا وأعدادهم داخل العاصمة، فكانت العودة القوية من نظام يوليو إلى دراسة مشكلة المرور والتكدّس السكانى والزحام ومحاولة وضع حلول خلاقة وفاعلة لها، فاستقدّم النظام مجموعة من الخبراء الفرنسيين عام 1954 لدراسة الأمر وتقديم تصورات وخطط تعالج المشكلة فى المديين القريب والبعيد، وبعد دراسة مستفيضة للأمر ولطبيعة العاصمة من جوانب عدّة مرتبطة بالكتل السكانية والتكتلات الاقتصادية وحركة التجارة والنقل ومراكز الجهاز التنفيذى والمصالح الحكومية، خلصت اللجنة إلى ضرورة إنشاء شبكة واسعة من خطوط مترو الأنفاق على المدى البعيد، تبدأ بخطين يمكن إنشاؤهما فى المدى القريب، وهما: خط يربط بين باب اللوق وترعة الإسماعيلية بطول 12 كيلو مترًا، والخط الثانى يربط بين بولاق أبو العلا والقلعة بطول 5 كيلو مترات، ولكن تصاعد الظروف السياسية محليًّا وعالميًّا، وصولاً إلى هزيمة يونيو 1976 وتسخير طاقة وجهد الدولة والمواطنين للعمل على مشروع الحرب والتحرير، عطّل المشروع مرة أخرى.

 

المترو

   فى حيز التنفيذ.. المترو يشق طين مصر

رغم حالة الحرب وتداعيات الاحتلال الإسرائيلى لسيناء وتراجع وتيرة مشروعات التنمية والتحديث العمرانى والصناعى، لم يتوقّف حلم ومشروع مترو الأنفاق توقُّفًا تامًّا وكاملاً، ففى العشرين من سبتمبر عام 1970 – قبل وفاة الزعيم جمال عبد الناصر بثمانية أيام – تمّ التعاقد مع بيت الخبرة الفرنسى الحكومى “سوفريتو” من أجل تقديم دراسات وخطط ومراحل إنشاء شبكة لخطوط مترو الأنفاق فى القاهرة، وتمّ التصديق على إنشاء هيئة مترو الأنفاق فى عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات عام 1973، بينما تمّ الانتهاء من دراسات المشروع وخططه ليبدأ تنفيذه عقب هذه الخطوة بعدّة سنوات ويُسن له قانون خاص حمل رقم 113 لسنة 1983.

بدأ اتّخاذ خطوات عملية واضحة فى العمل فى المشروع ومراحل تنفيذه فى عام 1982، وبدأ بالخط الأول الذى يربط بين محطتى حلوان والمرج بطول 42.7 كيلو مترًا وبعدد 34 محطة، وافتُتحت مرحلته الأولى للتشغيل الفعلى فى الأول من أكتوبر عام 1987 وامتدّت من رمسيس إلى حلوان، بينما افتُتِحت المرحلة الثانية فى الثانى عشر من أبريل عام 1989 وامتدّت فى الاتجاه المقابل من رمسيس إلى المرج، والخط مصمم لنقل 60 ألف راكب فى الساعة بسرعة قصوى 100 كيلو متر فى الساعة وزمن تقاطر دقيقتين ونصف الدقيقة، وبتنفيذ وافتتاح هذا الخط تكون مصر أول بلد عربى، وفى إفريقيا والشرق الأوسط، تُنفّذ وتُشغّل مترو الأنفاق.

 

مترو الأنفاق

كان تنفيذ الخط الأول تقنيًّا بأسلوب الحفر والتغطية، بينما جاء تنفيذ الخط الثانى الذى تلاه بأكثر من عشر سنوت بأساليب عديدة وفق الطبيعة الجغرافية والجيولوجية للمناطق التى يمر بها، خاصة وأن الخط الأول به خمس محطات نفقية أرضية فقط من إجمالى 34 محطة، بينما الخط الثانى به 14 محطة نفقية أرضية و6 محطات سطحية فقط، بإجمالى طول يبلغ 19 كيلو مترًا، وقد تمّ حفر أنفاقه بطرق عديدة منها طريقة الحفر والتغطية التى استخدمت فى الخط الأول، إلى جانب طريقة السدود وطريقة الحفر بين الحوائط اللوحية، واستُخدمت فى هذا الخط آلتا الحفر العملاقتان: نفرتيتى وحتشبسوت، ويبلغ قطر النفق الخارجى فى هذا الخط 9.43 مترًا، وقطره الداخلى 8.35 مترًا، مع استخدام خرسانة مُسلّحة سابقة الصب بسمك 40 سنتيمترًا وعرض 1.5 مترًا، وطاقة الخط الاستيعابية 45 ألف راكب فى الساعة بسرعة قصوى 80 كيلو مترًا فى الساعة وزمن تقاطر 105 ثوانٍ، وتمّ تشغيل الخط على مراحل انتهت فى شهر أكتوبر من العم 2000.

خريطة مترو الانفاق   استمر بعد هذين الخطين العمل على دراسات وخطط توسعة شبكة مترو الأنفاق والاستفادة من هذا المشروع المهم فى ربط مختلف محاور ومناطق القاهرة، فكان الخط الثالث الذى تمّ وضع حجر أساسه فى يوليو 2007، ليربط بين إمبابة ومطار القاهرة الدولى بإجمالى طول 45.5 كيلو مترًا وبعدد محطات 36 محطة منها 23 محطة نفقية ومحطتان سطحيتان و11 محطة علوية، والخط يتم تنفيذه على أربعة مراحل تمّ افتتاح الأولى التى تربط بين العتبة والعباسية بعدد 5 محطات فى فبراير 2012،والثانية التى تربط بين العباسية وشارع الأهرام بمصر الجديدة بعدد 4 محطات فى مايو 2014، بينما يتواصل العمل فى المرحلتين الثالثة والرابعة: تربط الثالثة بين العتبة وإمبابة بإجمالى 15 محطة، وتربط الرابعة بين شارع الأهرام فى مصر الجديدة ومطار القاهرة الدولى بعدد 12 محطة. بينما من المخطط البدء فى مرحلة لاحقة فى أعمال الخط الرابع الذى وافقت عليه وزارة الدولة لشؤون البيئة فى ديسمبر من العام 2010، والذى من المنتظر أن يبدأ من زهراء مدينة نصر مرورًا بالجيزة وحى الهرم حتى يصل إلى مدخل مدينة السادس من أكتوبر – تقاطع الطريق الدائرى مع طريق الواحات – ويبلغ طول مرحلته الأولى 17.2 كيلو مترًا ومن المنتظر الانتهاء منه عام 2019.

 

الخط الثالث

 

  خطوط المترو.. التشغيل والطاقة الاستيعابية

تمّ تصميم الخط الأولى ليستوعب 60 ألف راكب فى الساعة، والثانى بطاقة استيعابية 45 ألف راكب فى الساعة، بينما تبلغ الطاقة الاستيعابية التقديرية للخط الثالث ما يقرب من مليونى راكب يوميًّا، وتنقل خطوط مترو الأنفاق القائمة حاليًّا – الخط الأول والثانى والمرحلتان الأولى والثانية من الخط الثالث – أكثر من 3.6 مليون راكب يوميًّا. تتمّ تغذية وتشغيل قطارات مترو الأنفاق فى مختلف خطوطه بالكهرباء، وذلك عبر محطة ضغط عال عملاقة فى مدينة طرة والتى تُغّذى المحطات من حلوان إلى رمسيس، إضافة إلى محطة أخرى عملاقة فى رمسيس تغطّى الخط الأول بأكمله، وتشتمل كل محطة مترو أنفاق فى كل الخطوات على محطة كهربائية تحويلية تعمل أوتوماتيكيًّا حال انقطاع الكهرباء، بينما فى حالات الطوارئ التى تتعطّل فيها المصادر الخارجية للكهرباء والمحطات التحويلية الداخلية بالمحطات، فإن كل قطار مزوّد ببطاريات كهربائية تكفى للعمل المتواصل لساعتين كاملتين.

 

الخط الأول

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *