الرئيسية / ملفات خاصة / حلايب وشلاتين.. خلاف صنعه الاستعمار ومحاولات سياسية دائمة للتقارب
حلايب وشلاتين
حلايب وشلاتين

حلايب وشلاتين.. خلاف صنعه الاستعمار ومحاولات سياسية دائمة للتقارب

“حلايب وشلاتين أراض سودانية ولن نحارب مصر من أجل استرجاعها”، هكذا قال الرئيس السودانى عمر البشير فى تصريح تناقلته وكالات الأنباء والصحف العالمية قبل أسابيع، وهو التصريح الذى أثار استنكار واستهجان كثير من القوى الشعبية والسياسية والمواطنين المصريين، خصوصًا وأن هذا الجزء ضمن الحدود المصرية المستقرة والنهائية منذ ما يقرب من القرن وربع القرن، تبعًا للترسيم الحدودى لخطوط التماس بين مصر والسودان إبان الاحتلال البريطانى للبلدين.

ربما يكون النزاع فى هذه النقطة محاولة للتغطية على مشكلات وخلافات سياسية أكثر عمقًا وتشعُّبًا فى السودان الشقيق، فبينما لم ينجح الرئيس عمر البشير ونظامه فى صيانة وحدة الأراضى السودانية، وتورّط عبر سنوات طويلة متتابعة فى تعميق الأزمة والشرخ الوطنى والسياسى بين شمال السودان وجنوبه حتى تمّ الانفصال وأُعلِن الجنوب السودانى كدولة مستقلة، وبينما يتكرّر الأمر ذاته فى إقليم دارفور فى غرب السودان – على خلفية صراعات سياسية وعرقية واقتصادية لم يسع النظام إلى حلحلتها أو تلافى آثارها وتعقيداتها – يبرز تمسُّك البشير ونظامه بأراضى حلايب وشلاتين، وتصريحاتهم ومواقفهم السياسية المستفزة والصدامية فى هذا السياق، ليثير الموقف السودانى الرسمى الكثير من الاستغراب والدهشة وعلامات الاستفهام، بين التضحية بآلاف الكيلو مترات الغنية بالثروات والنفط والمواطنين السودانيين المنتمين إلى العرق والثقافة نفسيهما، وفى الوقت ذاته التمسك المتعنّت بأراضٍ مصرية لا تنتمى للسودان بأية صلة أو رابط إلا روابط الجيرة والأخوة والعلاقات التاريخية المميزة والإنسانية بين بلدين شقيقين طالما عانيا من تسلُّط الاحتلال وتغوّله على كليهما، وهو الموقف الذى يجبرنا – رغم حدّته غير المبررة وتهافته واستناده إلى حقائق غير راسخة – على إعادة قراءة القضية والمنطقة الجغرافية المختلف عليها من زاوية أوسع، ومعرفة تاريخ الروابط المصرية السودانية فى هذه المنطقة، وتاريخ “حلايب وشلاتين” نفسها.

حلايب وشلاتين.. التاريخ والاستعمار والنزاع

تبلغ مساحة مثلث حلايب وشلاتين 20 ألف كيلو متر مربع، وحلايب تقطنها قبائل تمتد بجذورها التاريخية بين الجانبين المصرى والسودانى وإن كانت مصرية الهوية والثقافة والجنسية والتاريخ والمصالح والتفاصيل الحياتية فى وجوهها الشاملة،ويُعتبر ترسيم الحدود بين مصر والسودان نقطة الخلاف الكبرى كما يزعم النظام السودانى ويُسوّق الأمر، ولكن مواقف النظام الحكم فى الشقيقة الجنوبية تختلف وتتعارض وتتنافى مع  اتفاقية 1899 التى تقول إن دائرة العرض 22 شمال خط الاستواء هى الحد الفاصل بين البلدين الشقيقين، وتعتبر إدارة السودان لمنطقة “أبو رماد” الواقعة ضمن مثلث حلايب وشلاتين فترة عارضة طارئة ولا تمنح السودان أية سيادة حقيقية عليها، ولا تنفى عن مصر سيادتها على أيّة منطقة أو مكان من أراضيها وكامل مساحتها الجغرافية التاريخية، فالحق القانونى التاريخى المكتسب لمصر مُحدّد ومقطوع به بموجب اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين.

نعود إلى سياق أقدم وأبعد فى الزمن قليلًا، وذلك منذ أن كانت مصر والسودان دولة واحدة وتم تقسيمها تبعًا لمخطط الاحتلال البريطانى ونتيجة لجهد ونجاح الفكر الاستعمارى فى غزو هذه المنطقة الجغرافية متجانسة العرق والثقافة والتاريخ والمصير المشترك، وهو ما تمّ مع بدايات تفكيك أملاك الدولة العثمانية عام 1899، حيث تم توقيع اتفاقية بين بطرس غالى وزير خارجية مصر آنذاك، والمندوب السامى البريطانى اللورد كرومر، وهو الاتفاقية التى نصّت فى مادتها الأولى على أن الحد الفاصل بين مصر والسودان هو دائرة العرض 22 درجة شمالًا “حلايب وشلاتين”، وما لبث أن أُدخِلت بعض التعديلات الإدارية على هذا الخط بقرار من ناظر الداخلية المصرى “وزير الداخلية” بدعوى مضمونها منح التسهيلات الإدارية لتحرُّكات أفراد قبائل البشارية السودانية والعبابدة المصرية على جانبى الخط، وقد أفرزت التعديلات ما يُسمّى الآن بمشكلة “حلايب وشلاتين”.

بعد فترة من ترسيم الحدود واستقرارها تنازل الخديو توفيق – ابن الخديو إسماعيل – عن لقب حكمه للشقيقتين واستبدله بـ “ملك مصر” فقط، وذلك بعد ضغوط كبيرة من جانب الاحتلال الإنجليزى مع أحداث اغتيال “السير لى ستاك”، الحاكم البريطانى العام للسودان وقتها، إذ تم إمهال مصر 24 ساعة لسحب قواتها من السودان، وفى عام 1952 – وبعد الإطاحة بالحكم الملكى فى مصر – كان الإنجليز يخشون من استئثار مصر بالسودان من جديد، فتم التخطيط لوضع حلايب وشلاتين كنقطة خلاف وفصل وتوتر بين الجارتين الشقيقتين، وهو ما سعت القوى الاستعمارية إلى زيادة اشتعاله والعمل الدائم على تأجيجه بعد نجاح الزعيم جمال عبد الناصر فى إفساد مخططهم عقب قبوله لإجراء استفتاء شعبى على استقلال السودان وإقراره بنتيجة الاستفتاء حينما اختار السودانيون الاستقلال عن مصر.

حلايب-وشلاتين

الملامح والحدود والنزاع حول الثروات والمصالح

تبغ مساحة هذه المنطقة كما أسلفنا 20 ألف كيلو متر مربّع، وتضم عدّة قرى وهى: قرية حلايب، قرية أبو رماد، قرية رأس الحدارية، قرية مرسى حميرة وقرية أبرق، وتسكن تلك المناطق قبائل كبيرة تمتدّ بين الجانبين المصرى والسودانى، وهى قبائل: العبابدة والبشارية والرشايدة، ويصل عدد سكان حلايب وشلاتين إلى 27 ألف نسمة.

لم يكن النزاع بشأن هذه المنطقة واضحًا وذا تأثير كبير منذ استقلال السودان، كانت تحدث بعض المناوشات التى يتمّ حسمها سريعًا، ولكن ظهر النزاع فى دائرة واضحة عام 1992 عندما رفضت مصر إعطاء حكومة السودان حقوق التنقيب عن البترول فى المياه المقابلة لمثلث حلايب وشلاتين، وتُعدّ نقطة النفط والنظر لتلك المنطقة الخصبة على أنها مصدر للثروات هى نقطة الخطر التى تلعب عليها أجهزة المخابرات العالمية، وهى نفس المشكلة التى ظهرت عام 1981 بين الرئيسين أنور السادات وجعفر النميرى حول عمليات التنقيب فى تلك المنطقة.

بعد ذلك ظهرت المشكلة بشكل أكبر عندما تم وضع حلايب وشلاتين ضمن الدوائر الانتخابية السودانية فى العام 2010، وهو ما اعتبرته مصر خرقًا للقوانين المصرية والدولية، وقد ردّت السودان بذلك على أنها تعتبر حلايب نقطة إدارية وهى تابعة للأراضى المصرية، بالرغم من أن معظم السكان يحملون بطاقات شخصية مصرية بالرقم القومى المصرى، وعندما أجريت الانتخابات الرئاسية في مصر عام 2014، أصرّت الحكومة المصرية على وجود لجان انتخابية فى حلايب وشلاتين، الأمر الذى تسبّب فى أزمة داخل البرلمان السودانى، فاتّهم عدد من أعضاء البرلمان الحكومة السودانية بالتهاون والتراخى مع السلطات المصرية،  وهو ما أثار المشكلة مجدّدًا وأثار علامات الاستفهام حول التشدّد والعنت السودانى بالرغم من أنهم فى الحقيقة تنازلوا عن منطقة أبيي الغنية بالنفط للجنوب السودانى فيما كانت تابعة فى الأصل للشمال، وترسيم الحدود أقرّ تبعيتها للشمال بالفعل.

ضمن الأزمات التى تحيط بملف حلايب وشلاتين الموضوع الغريب الذى انتشر الحديث عنه خلال الفترة الاخيرة، حول ما وصّفه البعض على أنه دخول للعبيد القادمين من الجنوب إلى الأراضى المصرية عبر منطقة حلايب وشلاتين تمهيدًا لتهريبهم من السودان إلى مصر لاستغلالهم وبيعهم، وهى المشكلة التى تتضّح آثارها بقوة على الحدود الشرقية المصرية التى يتم عبرها تهريب السودانيين والأفارقة القادمين من الجنوب – عبر الأراضى السودانية ومثلث حلايب وشلاتين المصرى – إلى الأراضى الفلسطينية وحدود دولة إسرائيل، بما يهدد المن القومى ويخلق أسبابًا للخلاف والتوترات السياسية والعسكرية على الحدود بين الجانبين المصرى والإسرائيلى.أسبابًا للخلاف و التوترال

خريطه حلايب

مسمار جحا.. تاريخ المنطقة وحجّة البشير

الآن – وبين وقت وآخر – يفتح النظام السودانى الحاكم الملف ذاته ليكون مسار نقاش واسع ومثار اختلافات وتعقيدات سياسية بين البلدين، وسرعان ما يتم احتواء الموقف وتجاوز الأمر وسط العلاقات السودانية المصرية الجيدة تاريخًا وواقعًا، بما يشى بأن الأمر يُستخدم استخدامًا سياسيًّا من قبل نظام الرئيس عمر البشير أكثر من كونه يُشكّل قناعة حقيقية وقضية وطنية لدى النظام السودانى، فدائمًا ما يتم التعامل مع مثلث “حلايب وشلاتين وأبو رماد” كمسمار جحا الذى يتمّ صرف الأنظار به عن قضايا أخرى، وتوتير الساحة السياسية المصرية السودانية عبرها لتهدئة الساحة السودانية الداخلية.

على امتداد المساحة الزمنية الفاصلة بين اتفاقية ترسيم الحدود فى العام الأخير من القرن التاسع عشر، ثمّ انتهاء الملكية وإقامة الجمهورية فى مصر، فاستقلالها وجلاء الإنجليز عن أراضيها، ثم الاستفتاء الشعبى فى السودان على الاستقلال عن الحكم والسيادة المصريين، مرّت قضية حلايب وشلاتين بمسارات ومنعطفات تاريخية عديدة، لعلّ من أهمها هذه المحطّات المفصلية التى تكشف أبعاد القضية بشكل بسيط وسريع:

* 1899 – اتفاقية الحكم الثنائى بين مصر وبريطانيا، ووقوع حلايب وشلاتين ضمن الحدود السياسية السيادية المصرية

* 1902 – الاحتلال البريطانى يضع حلايب وشلاتين ضمن الإدارة السودانية، وذلك للفت النظر حول طرح المنطقة كنقطة نزاع حدودى مستقبلى

* 1958 – الرئيس جمال عبد الناصر يرسل قواته لمنطقة حلايب وشلاتين لفرض السيادة عليها وجعلها منطقة عسكرية كنوع من التأمين على الحدود بين البلدين

* 1981 – بدء النزاع حول التنقيب والبحث والاكتشاف عن الثروات والمعادن فى تلك المنطقة بين الرئيسين أنور السادات وجعفر النميرى

* 1992 – استمرار وتواصل النزاع حول التنقيب فى تلك المنطقة بين الرئيسين حسنى مبارك وعمر البشير

* 1995 – الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك يرفض مشاركة الحكومة المصرية فى مفاوضات سياسية حول النزاع الحدودى بين البلدين فيما يخص حلايب وشلاتين

* 2000 – القوات المصرية تفرض سيطرتها الكاملة على مثلث حلايب وشلاتين مرة أخرى

* 2004 – الحكومة السودانية تعلن أنها لم تتخلَّ عن  منطقة حلايب وشلاتين

* 2010 – الرئيس عمر البشير يدلى بتصريح حول أحقية السودان فى منطقة “حلايب وشلاتين”

* 2011 – الانتخابات البرلمانية المصرية تشتمل ضمن دوائرها على منطقة حلايب

* 2013 – الرئيس السابق محمد مرسى يطلق تصريحات بخصوص حلايب وشلاتين تتسبّب فى أزمة سياسية

* 2013 – رئيس الأركان الفريق صدقى صبحى يصل حلايب وشلاتين ويؤكد مصريتها وأنه لا تفريط فيها

* 2014 – الانتخابات المصرية تشتمل ضمن دوائرها على منطقتى حلايب وشلاتين

* 2014 – الرئيس البشير يقول إن حلايب وشلاتين سودانية ولن يحارب المصريين من أجلها

* 2014 – لجنة الانتخابات السودانية تضم حلايب وشلاتين إلى مخطّط دوائرها الانتخابية للانتخابات المزمع إجراؤها فى عام 2015، وهو الأمر الذى حدث فى العام 2010 دون أن تتمكن من الإجراء الفعلى للانتخابات فى المنطقة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *