الرئيسية / منوعات / “بلال فضل.. قبلة حياة الأدب الساخر”

“بلال فضل.. قبلة حياة الأدب الساخر”

أنا بضحك من قلبى يا جماعة
مع إنــى راح منــى ولاعــة
وبطاقتــى فى جاكتة سرقوها
وغلاسة كمان لهفوا الشماعة
(صلاح جاهين)

السخرية وحب الفكاهة هى الصفة التى تميز المصريون عن غيرهم من شعوب الأرض، ولو أنك حاولت أن تستأصل تلك الصفة منهم فستذهب محاولاتك أدراج الرياح لأنها ببساطة صفة أصيلة وليست مكتسبة ولو حاولت البحث عن الأصل التاريخى لتلك الصفة فلن تستطيع أن تضع يدك على واقعة بعينها جازماً بأن المصريون قد عرفوا السخرية من هنا وذلك لأن السخرية عند المصريين قديمة قدم النيل ذاته.

ولو تحدثنا عن الكتابة الساخرة فى حد ذاتها فإن كراستها تنطوى على العديد والعديد من الشروط الواجب توافرها لكى يحظى الكاتب أو الأديب بلقب “كاتب ساخر” ولعل أول هذه الشروط وأهمها هو أن تأتى هذه السخرية من قلب حمل بالهموم حتى فاضت بة ولكنة بدلا ً من أن يخرجة على شكل آهات وتنهدات قرر أن يخرجة على شكل ضحكات ساخرة من أحزانة ومن مشاكلة وهو ماوصفة الشاعر العربى القديم أبو الطيب المتنبى بعبقريتة المعهودة قائلاً “ضحك كالبكا”!!

وبالعودة إلى الشروط التى تحتويها كراسة الأدب الساخر نجد أن الشرط الثانى ليصبح الكاتب ساخرا ً بحق هو ألا يضحك مما يكتبه.!!بل على العكس ينبغى أن يرى فى نفسة دائما ً ثقل ظل لكى تنجح كتاباتة وتؤدى دورها المقصود وهو إيقاظ الغافلين عن آلامهم على صوت قهقاتهم الضاحكة التى تمتزج بألمهم.

وفى مصر بلد الضحك والسخرية وإطلاق النكات لمع نجم العديد والعديد من كتاب الأدب الساخر وكانوا الأساتذة بحق فى جيلهم من أمثال “محمد عفيفى” و”محمد مستجاب” و”محمود السعدنى” الذين كان لكتاباتهم دور حقيقى فى مختلف العصور والأزمنة. ولعل كان آخر من رحل منهم عن دنيانا هو الأستاذ “محمود السعدني” الذى أثرى المكتبة العربية ومكتبة الأدب الساخر تحديدا ً بالعديد والعديد من الكتب التى تقرأها فتظل تضحك وتضحك حتى تدمع عيناك مثل “مذكرات الولد الشقى، الطريق إلى زمش، مسافر على الرصيف، مسافر بلا متاع” ومع رحيل عم محمود السعدنى بدى أن نجم الأدب الساخر فى مصر فى طريقة للأفول لولا ظهور الكاتب الشاب “بلال فضل” الذى كان بحق بمثابة قبلة حياة للأدب الساخر.

بلال فضل.. قبلة حياة للأدب الساخر
على الرغم من أننا عرفناة فى بدايتة صحفياً مشاغباً فى جريدة الدستور لا يترك شاردة ولا واردة إلا وعلق عليها بأسلوبة الساخر الساحر إلا أنة مع ذلك يفضل على لقب “صحفى” لقب “سيناريست” وهو العمل المحبب إلى قلبة أكثر كما صرح هو عن نفسة أكثر من مرة.. إلا أنة سواء اعتبرتة صحفياً أو سيناريست لا تستطيع بحال من الأحوال أن تنكر فضلة على الأدب الساخر عموما ً فقد نجحت كتاباتة نجاحاً مدوياً واستقبل جيل الشباب كتاباتة ليقرأها بنهم حقيقى وهو يستمتع بكل حرف يكتبة فضل سواء كانت كتاباتة سياسيه- وهى الأشهر- أو فى الأمور العامة التى تحدث فى المجتمع المصرى.. بلال فضل صاحب عناوين الكتب الشهيرة.

“قلمين”، “بنى بجم”، “ما فعلة العيان بالميت”، “ضحك مجروح”، “السكان الأصليين لمصر”، “أليس الصبح بقريب”، “حتى مطلع الفجر”، “ست الحجة مصر” هى من الكتب التى جعلت أصحاب دور النشر يضعون دائما ً كلمة “أدب ساخر” فوق أى عمل ينشروة حتى ولو كان الشىء الساخر الوحيد فية هو اعتبار ذلك العمل ساخرا ً!!نظرا لما تحققة تلك الكلمة من مبيعات…بلال فضل الذى تقرأ كتبة فتسمع فيها أصوات نداءات الباعة الجائلين فى شوارع القاهرة ومناداة الأمهات على أبناءهن من البلكونات وضحكات رواد المقاهي..وتسمع فيها كذلك أنينة وصرخاتة تجاة استبداد النظام السابق وفسادة وتكاد تشعر بكل مقال أو قصة يكتبها فضل وكأنة على وشك أن يخرج لك من كتبة ليهزك من كتفيك محرضا ً إياك على الثورة.

وعلى الرغم من صغر سنة النسبى إلا أنك لو قررت أن تستعرض كتبة ومجموعاتة القصصية فسوف تعجز بكل تأكيد عن اختيار الأجمل والأقوى من بينها فكل كتبة ومجموعاتة القصصية امتازت بخفة الظل والقوة الأدبية والأوصاف المبهجة وسنبدأ بأحد أشهر كتبة وهو كتاب السكان الأصليين لمصر.

*السكان الأصليون لمصر:
يتميز الكاتب عن غيرة من الكتاب بقدرتة على نحت المصطلحات الجديدة التى تعلق فى أذهان الناس فكلما ذكر المصطلح الذى نحته الكاتب ذكر معه اسم الكاتب نفسه.. وفى هذا الكتاب قام بلال فضل بنحت أحد أشهر المصطلحات العبقرية فى السنوات الماضية ألا وهو مصطلح “السكان الأصليين لمصر” وهو يأتى نتيجة نظرته للمجتمع المصرى الذى ينقسم من وجهة نظره إلى قسمين مختلفين القسم الأول هو قسم “المنتفعين” بالبلد وخيراتها والقسم الثانى الذى أطلق علية هو مصطلح “السكان الأصليين لمصر” وهم الذين تعتبر حياتهم نقيضا أ لقسم المنتفعين ويحدثنا هو عنهم فى مقدمة كتابة قائلا ً(إن حياة السكان الأصليين لمصر تشبة مايمكن أن تكون قد شاهدتة فى أفلام الخيال العلمى الأمريكية والتى تفترض أنة مع التطور التكنولوجى المذهل سيصبح هناك نوعان من البشر يعيشان فى الأرض،أغنياء يعيشون على سطح الأرض وفقراء يسكنون باطنها ونستطيع أن نقول إننا بالصلاة على الحبيب سبقنا أفلام الخيال العلمى بتطبيق هذه الافتراضية ولكن الفرق أن الفقراء يعيشون لدينا على الأرض أيضا تاركين باطنها لامواتهم ومواسير صرفهم الغير صحي)

لو أنك من المتابعين لكتابات بلال فضل لأدركت أن هذه الفئة تحديدا ً هى شغلة الشاغل فقلما يكتب شيئا ً ولا يعرج خلال كتابتة لتلك الفئة الأصيلة فى شعب مصر وهى فئة السكان الأصليين،أما عن محتوى الكتاب فهو عبارة عن مجموعة من المقالات الساخرة التى كان يكتبها فى جريدة الدستور ثم قرر بعد ذلك ضمها بين دفتى هذا الكتاب ويبدأ فضل كتابة بمقال يحمل عنوان”من غير ما تحس بيه”والذى يدور فية حوار بينة وبين أحد أصحاب الأكشاك حول الانتعاش الاقتصادى فى مصر فى عهد النظام السابق.

ويتحدث بلال فضل فى عدة مقالات حواها هذا الكتاب حول النظرة السياسية التى تتمتع بها “أم هند” مديرة منزلة الشخصية بصفتها واحد من السكان الأصليين فى مصر فى عدة مقالات داخل الكتاب مثل “أم هند لاتريد حبا ولاحنانا..أم هند تريد معاشا” ومقال “العاسيفة التى ستأخذهم” ومقال “هكذا سقطت أم هند” ثم يتناول بخفة ظلة المعهودة رأى المواطن المصرى البسيط فى ثورة 1952 فى مقالة الرائع “لقاء فى شارع الثورة” والذى يتخيل فية حوارا ً يدور بين إحدى المذيعات التليفزيونية وبين أحد المواطنين ليقول رأية فى المبادئ الست التى شملتها ثورة 1952 فإذا بالمواطن يسأل المذيعة ” ياقوة اللة هى الثورة ليها 6 مبادئ دة الواحد بيبقى ماشى فى الدنيا بمبدأ واحد بس وبيطلع عينة ” !!

ويختم فضل كتابة بمقال شديد القوة بعنوان “وقائع هبة شعبية لم تكتمل فى مصر الجديده” يتحدث فيها عن سخط وغضب بعض المواطنين المصريين من غلاء الأسعار وهتافاتهم التى كادت أن تتحول إلى مظاهرة عارمة ضد النظام السابق وهو ماكان فضل يتمناة ويدعو لة فى كل كتاباتة التى عرفناة بها.

** ما فعله العيان بالميت
أحد أشهر المجموعات القصصية الساخرة التى كتبها بلال فضل هى مجموعة “ما فعله العيان بالميت” وكعادته يتناول فيها بأسلوبه الساخر هموم ومشاكل المواطن المصرى البسيط عارجاً على أداء النظام السابق وحكومته وشاكيا ً إلى نفسه وإلى قراءة وإلى الله من قبل ومن بعد الحال الذى وصلت إلية البلاد.

وفى القصة الرئيسية فى المجموعة ألا وهى قصة “ما فعله العيان بالميت” يتحدث فضل بحرفية رائعة عن الحال الذى وصل إلية المواطن المصرى بسبب أداء الحكومات الفاشلة علية فيتخيل قضية سرقة قام بها احد المواطنين لسرقة مجموعة من المسامير وشرائح البلاتين من جثة ميت كان قد تم تركيبها لة إثر حاثة تعرض لها فتكتشف أخت الميت تلك السرقة بعد دفنة وتقوم بإخطار النيابة فى السارق ويقدم فضل صورتة لذلك بأن المجتمع المصرى وصل بة الحال إلى أن أصبح ” أحسن مافية عيان “..

وفى قصتة البديعة الأخرى التى تحمل عنوان “نفق العروبه” يتصور بلال موكب الرئيس السابق وقد إختفى فجأة أثناء مرورة بنفق العروبة (وكأن خيالة يتمنى أن يحدث ذلك بالفعل) وبعد البحث والتقصى والتحقق يفشل الجميع فى إيجاد موكب الرئيس ومع ذلك يستمر الحال بالبلد على ماكانت علية دون أن يتغير فيها شئ وهو ماحدا بأحد المواطنين لأن يتساءل أثناء جلوسة على أحد المقاهى قائلا ” حد يصدق إن البلد تمشى كدة بالبركة “؟؟ فيجيبة آخر بحكمة المواطن البسيط “ومنذ متى مشت بلدنا بغيرها”؟؟

أما القصة الثالثة فى هذه المجموعة البديعة فهى التى تحمل عنوان “من خشاش الأرض” وهو العنوان المستوحى من الحديث النبوى “دخلت إمرأة النار فى قطة حبستها فلاهى أطعمتها ولاتركتها تأكل من خشاش الأرض” وتدور القصة حول “عاشور” المواطن المصرى الغلبان الذى يقتادة أمين الشرطة إلى القسم لسبب ما وعند ذهابة إلى القسم وحجزة ينام لبعض الوقت ثم يستيقظ ليجد بجوارة فى غرفة الحجز شيخا ً أزهريا ً معمما ً فيسألة عن الحزب الوطنى الحاكم إن كان سيدخل الجنة أم النار فيجيب الأخير قائلا ً “ورد فى الأثر النبوى أن إمرأة دخلت النار فى قطة وبما أن المصريين أكرم عند اللة عز وجل من القطط فبالتأكيد الحزب الوطنى الحاكم سيدخل النار لأنة لا أطعمنا ولاتركنا نأكل من خشاش الأرض”.!!

أما أجمل قصص هذه المجموعة وأروعها فهى تلك التى إختار فضل أن يختم بها مجموعتة والتى تحمل إسم “فى شرفة سماوية” فى هذه القصة تحديدا ً تفوق خيال بلال فضل على نفسة فتخيل أنة ينظر إلى شرفة سماوية يجلس فيها مجموعة من الأسماء التى لمع إسمها فى التاريخ المصرى سواء فى الوسط الدينى أو الفنى أو السياسى أو الأدبي،فيتخيل نجيب محفوظ وقد جلس برفقة الشيخ الغزالى وجمال عبدالناصر وهو يحاور سيد قطب وليلى مراد وهى تتحدث مع القصبجى وغيرهم من الأسماء اللامعة ثم ينهى هذه القصة والمجموعة كلها بطبيعة الحال بجملة “الكل ماتوا من الضحك ولكن مصر كانت غارقة فى همها تنظر إليهم بأسى”

***ست الحاجة مصر

هو آخر الأعمال الأدبية التى قدمها بلال فضل للمكتبة الأدبية حيث خرجت هذه المجموعة القصصية إلى النور فى معرض الكتاب من العام الماضى وهى كعادة بلال الأدبية تحتوى على مجموعة من القصص القصيرة والمقالات الأدبية التى نشرها فى الصحف المصرية بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير وعلى الرغم من أن هذا الكتاب قد كتبة فضل بعد تحقق حلم الثورة الذى عاش فضل وهو يحلم بها ويراها أمام عينية إلا أنة مع ذلك إحتوى على نبرة قلق أو ربما تشاؤم غامضة تلاحظها حتى فى العنوان الفرعى للكتاب (ست الحاجة مصر..محاولة لم هم مايتلم فى كتاب).

ربما كان إحساس فضل فى ذلك الوقت بأن الثورة قد فشلت أو على الأقل فى طريقها إلى ذلك أو لعلة أدرك أن الثورة قد جاءت متأخرة زيادة عن اللزوم وبما الإثنين معا ً ولكنك تلاحظ هذه النبرة القلقة حتى فى تصديرة للكتاب الذى جاء فية (إذا شعرت أن السطور التى تقرأها فى هذا الكتاب لم يعد لديها صدى فى واقعك المحيط بك فقد إكتمل نجاح ثورتنا،إما إذا شعرت أنها لاتزال جزءا ً من واقعنا فتأكد إذن أنك لازلت تحتاج إلى ثورة…ثورة تكتمل)

فى مقالة القصصى الأول الذى يحمل عنوانا ً جاء متشائما ً متفائلا ً فى نفس الوقت هو (صباحك زى وشك يامصر جميل وحزين ) يدور بك فضل فى رحاب مصر التى عشقها والتى عشقناها معة (صباح الخير يامصر على الناس المرهقين من عناء الحياة والدايرين فى الساقية المنصوبة ليهم من سبعة آلاف سنه..الناس اللى عايشة اليوم بيومة وكل أملها يعدى من غير أى خساير ) ثم يستعرض مع قارءة الجو المصرى عموما ً الى تشعر فية بالالفة والمحبة بعيدا ً عن التكلف والإصطناع.

ثم يعرفك فى مقالة الثانى بجارة فى السكن “أبو يحيى” فى مقال رائع بعنوان (صباح الخير ياجاري) حيث يرى فضل فى جارة “أبو يحيى” المواطن المصرى البسيط الطيب المعروف بشهامتة والذى لايتركك وقت أزمتك على الرغم من أنك قد لاتعرف عنة الكثير هو فقط ذلك الجار الطيب الذى تلقى علية تحية الصباح والمساء فى كل يوم ثم لايفوتة أن يطرق بابك فى يوم العيد ليقول لك “كل سنة وإنت طيب” أو تطرق إبنتة بابك فى عصرية لتقول لزوجتك “ماما بتسلم على حضرتك وبعتالكم طبق العاشورا ده” !!

أما مقالة الثالث والذى يحمل عنوان (كنت بلطجيا ً) فهو المقال الذى يتحدث فية بلال عن حب البعض لتصنيف الناس على حسب أشكالهم وهو مايتعارض مع أبسط مبادئ الإنسانية ويتعجب فضل كيف لعاقل أن يصنف شخصا ً ما باعتبارة بلطجيا ً لمجرد أنة يرتدى ملابس مهلهلة إلى حد ما؟

ويأتى المقال القصصى الرئيسى فى هذه المجموعة والذى تحمل عنوانة وهو (ست الحجة مصر) لتلمس فية بشكل أقوى مدى مايشعر بة فضل تجاة بلادة وهو المقال الذى يستعرض فية قصة حياة أم طيبة كأغلب أمهاتنا تشقى وتتعب وتكافح لكى تربى أبناءها خير تربية وتخرجهم صالحين قدر إمكانها وبينما هى فى رحلة شقاءها تلك إذ تصاب بمرض فى المخ يتتطلب غجراء عملية جراحية عاجلة وهو مايعجز عنها أبناءها الطيبون إلى أن تخرج روحها إلى بارئها وهى مبتسمة ويحمل وجهها نورا ً ربانيا ً،ويختتم فضل المقال بالدعاء لست الحاجة التى ماتت وإبتسامتها على وجهها وكذلك لست الحاجة الأخرى….ست الحاجة مصر.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *