عبد الحليم حافظ.. “وعُمر جرحى أنا أطول من الأيام”

بعض الجغرافيا والعمران أصوات ونغمات وأحبال صوتية، بعض الناس يختزلون حصة كبيرة من بدن الوجود وتحققه المادى فى أرواحهم، فيفيض عبيره على ألسنتهم وبين موسيقى حديثهم، وعلى قدر ما يتيسّر لكل من هؤلاء من طاقة تكثيف واختزال واختصار للعالم ومفاتيحه، تؤتيه الحياة من محنها واختباراتها، تصهره وتعجنه على نار التجارب القاسية والمشاوير الصعبة والاستثنائية، وفى هذا يكفى أن ترتد ببصرك ووعيك وذاكرتك أقل من أربعة عقود، لترى على البُعد طفل قرية “الحلوات” فى مركز الإبراهيمية بمحافظة الشرقية، ونجم الغناء والطرب والتمثيل منذ أواخر خمسينيات القرن الماضى وحتى أواخر سبعينياته، يرقد على جمر التجربة وحريرها، صوتًا بطعم النيل وتراب مصر، ومريضًا بحجم أوجاع ناسها من القدماء إلى المحدثين، فرعونًا صاغ أسطورته أغنيات ونغمات وموسيقى وأدعية وأفلام، وضعيفًا كسير الجناح صاغت منه تجارب الحياة القاسية مرمى لاختباراتها وسهامها النارية، بدءًا من محطة الحادى والعشرين من يونيو 1929 – محطة الميلاد واندلاع النغمة الأولى فى أسماع الصمت والسكون – ووصولاً إلى محطة الثلاثين من مارس عام 1977، والإيذان بذوبان البدن واختفاء الماكينة الإبداعية وتآكل أحبال الصوت، اكتفاء بهذا العبور الخاطف السريع عبر 47 سنة وعشرات الأغنيات والأفلام التى شكلت – وما زالت – جانبًا كبيرًا من وعى وذاكرة وروح مصر والمصريين.

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 4

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 2

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 3

عبد الحليم على شبانة.. رحلة اليتيم والفنان

فى أسرة فقيرة، ولوالدين لهما من حظ الإنجاب ثلاثة أبناء: إسماعيل، ومحمد وعليّة، وُلِد الطفل عبد الحليم فى الحادى والعشرين من يونيو عام 1929، ولم يكن ترتيب القدر الاستثنائى فى الأسرة الفقيرة ولا فى قرية “الحلوات” بمحافظة الشرقية، إذ كانت دراما الحياة تختزن ما هو أكثر، فإثر مولده بأيام قليلة توفيت والدته، ولحق بها الوالد قبل أن يكمل الطفل الصغير عامه الأول، لينتقل “عبد الحليم” للحياة فى كنف خاله، ويتدرّج فى رحلة التعلم والمعرفة من كتاب القرية إلى المدرسة وصولاً لمعهد الموسيقى العربية، الذى التحق به فى العام 1943 طالبًا فى قسم التلحين، وهناك التقى زميله، الملحن الكبير فيما بعد كمال الطويل، والذى كان طالبًا فى قسم الغناء والأصوات، ولعل هذا اللقاء كان من اللقاءات المؤثرة فى حياة كليهما.

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 7

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 5

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 6

عقب تخرجه فى المعهد، حصل عبد الحليم على ترشيح من الحكومة للسفر فى بعثة دراسية إلى الخارج، ولكنه ألغى سفره وتنازل عن فكرة البعثة، وسرعان ما التحق بسلك التدريس الذى عمل فيه لمدة 4 سنوات بين مدارس طنطا والزقازيق والقاهرة، إلى أن تقدم باستقالته من مهنة التدريس فى العام 1950 ليلتحق بفرقة الإذاعة المصرية عازفًا لآلة الأوبوا التى درسها وتخصص فيها فى معهد الموسيقى العربية.

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 11

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 9

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 10

بدأت رحلة عبد الحليم حافظ، أو عبد الحليم على شبانة، باكتشاف الإذاعى القدير واللامع حافظ عبد الوهاب له، والذى منحه اسمه لينطلق عبد الحليم فى رحلته إلى عالم الطرب والغناء والنجومية، وفى التأصيل لخطواته الأولى على هذا الطريق تختلف البيانات والمعلومات المتواترة بشأن البداية الحقيقية وتفاصيل خطوة الاعتماد فى الإذاعة المصرية كمطرب، فبينما تُرجع بعض المصادر الأمر إلى العام 1951 الذى تقدم فيه عبد الحليم حافظ بقصيدة “لقاء” من كلمات الشاعر صلاح عبد الصبور وألحان كمال الطويل، هناك مصادر أخرى تردّ الأمر إلى العام 1952 وأغنية “يا حلو يا أسمر” من كلمات سمير محجوب وألحان محمد الموجى، ولكن بتجاوز هذه النقطة سنجد اتفاقًا على الانطلاقة الكبرى والواضحة للعندليب الأسمر، وذلك عبر أغنية “صافينى مرة” التى قدمها مرتين: الأولى فى أغسطس 1952 ولم تحقق نجاحًا أو قبولاً جماهيريًّا كبيرًا، والثانية فى يونيو 1953، وقت الاحتفال بأول عيد للجمهورية عقب ثورة يوليو 1952، لتحقق الأغنية نجاحًا كبيرًا وتضع عبد الحليم حافظ على أول طريق الشهرة والنجومية والحضور اللامع والمميز.

  العندليب.. رحلة اللمعان والانطفاء

عقب هذه المرحلة بدأ نجم عبد الحليم حافظ فى الصعود بإيقاع سريع وبوتيرة مطّردة، وكأن الحياة تعوضه عن قدره الخفى، أو أنه يعلم أن عليه أمانة لا بدّ من أن يؤديها، ويجول فى صدره خاطر بأن زمن الرحلة لا يحمل متسعًا كريمًا للتأنى والبطء، فعمل عبد الحليم حافظ بجد وتركيز واجتهاد وإخلاص ساهموا جميعًا فى صنع أسطورته بحرفية وإتقان وسرعة، وخلال سنوات قليلة من بدء ظهوره ولمعان اسمه على الساحة الفنية كمطرب، حصل العندليب الأسمر على بطولته السينمائية الأولى فى العام 1955 عبر فيلم “لحن الوفاء”، وفى العام التالى له عرف عبد الحليم حافظ حقيقة مرضه وبدأ فى خوض رحلة الصراع والمعاناة مع البلهارسيا وتليف الكبد.

المرحلة التى اكتشف فيها عبد الحليم حافظ حقيقة مرضه وتطور حالته وتعقدها، شهدت تحولاً كبيرًا فى رؤيته وانحيازاته الفنية والجمالية، فبعد أن كانت أعماله الأولى تنطبع بطابع التفاؤل والبهجة والإقبال على الحياة، أصبحت أعماله التالية أكثر محافظة وحذرًا فى اقتراف التفاؤل والاقتراب من حماه، وأكثر ميلاً إلى الشجن والميلودراما والحزن، وكثير من أعماله فى المرحلة التالية لفيلم لحن الوفاء يمكننا اعتبارها تلخيصًا من عبد الحليم نفسه لرحلته ومعاناته، تأريخًا لحالة البؤس والشقاء والمرض التى عاشها، ولعل النموذج الأبرز فى هذا الأمر يحمل توقيع الشاعر مرسى جميل عزيز عبر الأغنية التى سطّرها ضمن أحداث فيلم “حكاية حب”، والتى حملت اسم “فى يوم فى شهر فى سنة”، وفيها يقول مرسى جميل أو عبد الحليم حافظ: “فى يوم فى شهر فى سنة/ تهدا الجراح وتنام/ وعُمر جرحى أنا/ أطول من الأيام”.

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ

العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ 12

خلال رحلته الفنية مع الاحتراف والنجومية، والتى بدأت بين العامين 1951 و1952، وحتى وفاته فى العام 1977، مرت خمس وعشرون سنة من العمل والاجتهاد بين الغناء والسينما والحفلات والجولات الفنية، إذ قدم العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ حوالى 231 أغنية ما بين أغنياته فى السينما وأغنياته فى الحفلات وتسجيلات الإذاعة، ومنها 11 دعاء وابتهالاً دينيا من كلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفى وألحان محمد الموجى، ومن أغنيات العندليب الشهيرة: على قدّ الشوق، وتوبة ، ويا خلىّ القلب، وموعود، ورسالة من تحت الماء، وقارئة الفنجان، وجانا الهوى، وحبيبتى من تكون، وفاتت جنبنا، وابنك يقولك يا بطل، واحنا الشعب، وأحلف بسماها وبترابها، وصورة، وبالأحضان، وعاش اللى قال، والنجمة مالت ع القمر، وحكاية شعب، وصباح الخير يا سينا، أما الأدعية والابتهالات الدينية الـ 11 فهى: نفضت عنيا المنام، وأنا من تراب، وعلى التوتة والساقية، وأدعوك يا سامع، ورحمتك فى النسيم، وبينى وبين الناس، والحبة فى الأرض، وخلينى كلمة، وورق الشجر، وبين صحبة الورد، ويا خالق الزهر.

الرحلة نفسها أثمرت حضورًا سينمائيًا مميّزًا، إلى حد يضع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ ضمن باقة أنجح المطربين الذين خاضوا تجربة التمثيل، إلى جانب محمد فوزى وفريد الأطرش، وبلغت حصيلة عبد الحليم حافظ السينمائية 16 فيلمًا، وهى: “لحن الوفاء”، و”أيامنا الحلوة”، و”ليالى الحب”، و”أيام وليالى” والأفلام الأربعة إنتاج العام 1955، و”موعد غرام” و”دليلة” والفيلمان إنتاج العام 1956، وفى العام 1957 تصدّى العندليب الأسمر لبطولة ثلاثة أفلام: بنات اليوم، والوسادة الخالية، وفتى أحلامى، وفى 1958 فيلم “شارع الحب”، وفى 1959 فيلم “حكاية حب”، وفى العام 1960 فيلم “البنات والصيف”، وفى العام 1961 فيلم “يوم من عمرى” مع النجمة الجميلة زبيدة ثروت، وفى العام 1962 فيلم “الخطايا”، وفى العام 1967 فيلم “معبودة الجماهير”، وأخيرًا فيلم “أبى فوق الشجرة” فى العام 1969.

موضوعات متعلقة:

صورة نادرة لرخصة قيادة العندليب عبد الحليم حافظ

 محمد عبد الوهاب.. 24 سنة على وفاة موسيقار الأجيال

شادية فى ذكرى عبدالحليم: صوته كان فيه رجوله (فيديو)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *