كيف تكون زكاة الزرع والثمار وصورة إخراجها فى الإسلام؟

الزكاة كيف تكون زكاة الزرع والثمار وصورة إخراجها فى الإسلام؟
سارة الباز    |   الجمعة 21 - 4 - 2017 00:00

كيف تكون زكاة الزرع والثمار وصورة إخراجها فى الإسلام؟

 

يحتاج المسلم إلى الإفادة فى ما يخص الزكاة الواجبة على الزرع والمحاصيل الآتية، خصوصا للشركات التى تقوم بزراعة آلاف الأفدنة ميكانيكيًّا، وحصادها وتعبئة المحصول للتصدير والبيع للسوق المحلى، لذا نقدم لكم هنا من خلال سلسلة كايرو دار لفتاوى دار الإفتاء المصرية نوضح نسبة الزكاة الواجبة لكل محصول، وكيفية إخراج الزكاة (في صورة نسبة من المحصول عينيًّا أو ماديًّا) لبعض المحاصيل مثل البطاطس، والموالح مثل البرتقال واليوسفى، والعنب، والقمح، الزراعة والحصاد ميكانيكيًّا، والشعير، والذرة، والبصل، والفلفل، والفاصوليا الخضراء، والطماطم، والرمان، والقرع العسلى.

كيف تكون زكاة الزروع والثمار وصورة إخراجها فى الإسلام؟

يجيب فضيلة الأستاذ الدكتور شوقى إبراهيم علام، مفتى الجمهورية قائلا: (مِن المقرر شرعًا أن الزكاة واجبةٌ في التمر والعنب مِن الثِّمار، وفي القمح والشعير مِن الزروع، إذا بلغت النِّصَاب، وذلك بإجماع العلماء؛ قال الإمام الحافظ أبو بكر بن المنذر في كتاب “الإجماع” (ص: 45، ط. دار المسلم): [أجمَعوا على أن الصدقة واجبةٌ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب] اهـ.

وإنما أجمَعوا على ذلك؛ لِوُرُود الأحاديث النبوية المطهرة قوليةً وفعليةً بوجوب إخراج الزكاة مِن هذه الأصناف الأربعة، والتي جاءت مِن حديث جماعةٍ مِن الصحابة؛ كالسيدة عائشة أُمِّ المؤمنين، وعمر بن الخطاب، وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهم أجمعين، وحَكَى ذلك أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: التابِعِيَّان الجليلان: مجاهد، والشعبي.

فمِن هذه الأحاديث: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: فأخرج ابن ماجه في “سننه” من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: “إنما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الزكاةَ في هذه الخمسة: في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة”.

وأخرج ابن أبي شيبة في “المصنف” عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْعُشْرُ فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ». وأخرج يحيى بن آدم في “الخراج” عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أَرْبَعٌ لَيْسَ فِيمَا سِوَاهَا شَيْءٌ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ».

وأخرج ابن زنجويه في “الأموال” عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ فِي بَقْلَةٍ زَكَاةٌ، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي أَرْبَعٍ: فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ».

وأخرج الدارقطني في “سننه” عن عمرو بن شعيب عن أبيه رضي الله عنه قال: “سُئِل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن الجوهر والدر والفصوص والخرز، وعن نبات الأرض، البقل والقثاء والخيار، فقال: ليس في الحَجَر زكاة، وليس في البقول زكاة، إنما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحنطة والشعير والتمر والزبيب”.

وأخرج الدارقطني في “سننه” عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “إنما سَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة والشعير والزبيب والتمر”.

وأخرج الطبراني في “المعجم الأوسط” عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: “جَرَت السُّنَّة مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجت الأرضُ مِن الحنطة والشعير والزبيب والتمر إذا بلغ خمسة أوسقٍ، والوسق: ستون صاعًا، فذلك ثلاثمائة صاعٍ، بهذا الصاع الذي جَرَت به السُّنَّة”.

وأخرج الطبراني في “المعجم الكبير” عن أبي موسى، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثهما إلى اليمن فأمرهما أن يُعَلِّمَا الناسَ أمرَ دِينِهم وقال: «لَا تَأْخُذِ الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ». قال الحافظ الهيثمي: [رجاله رجال الصحيح] اهـ.

وأخرج البيهقي في “السنن الكبرى” عن مجاهد، قال: “لم تكن الصدقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلَّا في خمسة أشياء: الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة”.

وأخرج يحيى بن آدم في “الخراج” عن الشعبي قال: “كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن في الزكاة في الحنطة والشعير والتمر. وأخرج نحوه عن أنس، والإمام علي، وعبد الله بن عمرو، رضي الله عنهم، وعن مجاهد، وغيرهم”.

كما ورد ذلك في مجموعة من الآثارِ الموقوفة والمقطوعة عن كبار الصحابة والتابعين؛ كالإمام عليِّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي موسى، وأبي بردة، رضي الله عنهم، وعبد الحميد، وموسى بن طلحة، والحسن البصري، وعطاء، وعمرو بن دينار؛ فقد أخرج يحيى بن آدم في “الخراج” (ص: 146، ط. المكتبة السلفية) عن الإمام علي رضي الله عنه، قال: “الصدقة عن أربع: مِن البُرِّ، فإن لم يكن بُرٌّ فتمرٌ، فإن لم يكن تمرٌ فزبيبٌ، فإن لم يكن زبيبٌ فشعير”، وأخرج يحيى بن آدم في “الخراج”: “أن معاذًا رضي الله عنه لما قَدِم اليمنَ لم يأخذ الزكاة إلَّا مِن الحنطة والشعير والتمر والزبيب”، وعن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: “أنه لم يأخذها إلَّا مِن الحنطة والشعير والتمر والزبيب”.

وأخرج ابن زنجويه في “الأموال”، والحاكم في “المستدرك”، عن معاذ وأبي موسى رضي الله عنهما: “حيث بُعِثَا إلى اليمن يُعَلِّمَان الناسَ دِينَهم، لم يأخذا إلَّا مِن هذه الأصناف الأربعة”.

وأخرج عن طلحة بن يحيى قال: سألت عبد الحميد وموسى بن طلحة عنها، فقالا: إنما الصدقة في الحنطة والتمر والزبيب. وعبد الحميد هو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب العدوي المدني، تابعيٌّ إمامٌ ثقة كبير القدر، المتوفى بعد سنة عشرةَ ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك؛ كما في “سير أعلام النبلاء” (5/ 149، ط. مؤسسة الرسالة)، و”جامع التحصيل في أحكام المراسيل” (220، ط. عالم الكتب).

وأخرج عن الحسن، قال: الزكاة في البر والشعير والتمر والزبيب، وأخرج عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: لا صدقة إلَّا في نخلٍ أو عنبٍ أو حَبٍّ، وقال لي ذلك عمرو بن دينار.

قال الحافظ ابن حجر في “التلخيص الحبير” (2/ 367، ط. دار الكتب العلمية): [قال البيهقي: هذه المراسيل طُرُقُها مختلفةٌ وهي يؤكِّد بعضُها بعضًا، ومعها حديث أبي موسى ومعها قول عمر وعلي وعائشة رضي الله عنهم: ليس في الخضراوات زكاة] اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة في “المغني” (3/ 4، ط. مكتبة القاهرة): [ولأن غير هذه الأربعة لا نص فيها ولا إجماع، ولا هو في معناها في غلبة الاقتيات بها، وكثرة نفعها، ووجودها، فلم يصح قياسه عليها، ولا إلحاقه بها، فيبقى على الأصل] اهـ.

ثم اختلف العلماء فيما عدا ذلك ما بين مُضَيِّقٍ ومُوَسِّعٍ: فذهب جماعة من الصحابة والسلف إلى أنه لا زكاة في غير هذه الأصناف الأربعة، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ قال الإمام ابن قدامة في “المغني” (3/ 4): [وحُكي عن أحمد: إلَّا في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. وهذا قول ابن عمر رضي الله عنهما، وموسى بن طلحة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، وأبي عبيد، والسُّلْت: نوع من الشعير، ووافقهم إبراهيم، وزاد الذُّرة، ووافقهم ابن عباس رضي الله عنهما، وزاد الزيتون؛ لأن ما عدا هذا لا نَصَّ فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولا المُجمع عليه، فيبقى على الأصل] اهـ.

وقال الحافظ ابن عبد البر المالكي في “الاستذكار” (3/ 227، ط. دار الكتب العلمية): [لا خلاف بين العلماء -فيما عَلِمْتُ- أن الزكاة واجبةٌ في الحنطة والشعير والتمر والزبيب، وقالت طائفةٌ: لا زكاة في غيرها؛ رُوي ذلك عن الحسن وابن سيرين والشعبي، وقال به مِن الكوفيين: ابن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح وابن المبارك ويحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد، وحُجَّة مَن ذهب هذا المذهب: ما رواه وكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه كان لا يأخذ الزكاة إلَّا مِن الحنطة والشعير والتمر والزبيب، ومثل هذا يَبعُدُ أن يكون رأيًا منه، وقد روي ذلك عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرفوعًا] اهـ.

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الزكاة تجب في كُلِّ ما يُزرَع مِمَّا يُقصَد به استِنماءُ الأرض واستغلالُها؛ مِن ثمارٍ وحبوبٍ وخضراواتٍ وغيرِها، دون ما لا يُقصَد به ذلك عادةً؛ كالحَطَب والحشيش والتبن وشجر القطن وغيرها، أما إن قَصَدَ بشيءٍ مِن هذه الأنواع كلها استِنماءَ الأرض وَجَبَت الزكاةُ؛ فمَدَارُ وجوبها عنده على القصد. وذهب الصاحبان إلى أن الزكاة لا تجب إلَّا فيما له ثمرةٌ باقيةٌ حَوْلًا.

وذهب المالكية إلى أنه لا زكاة في الثمار إلَّا في التمر والعنب، أما الزروع فالزكاة تدخل في عشرين جِنسًا منها؛ هي: الحِنْطَة، والشَّعير، والسُّلْت، والذُّرَة، والدُّخْن، والأُرْز، والعَلَس، والقَطَانِيِّ السَّبْعة: الحِمَّص، والفُول، والعَدَس، واللُّوبِيَا، والتُّرْمُس، والجُلُّبَان، والبَسِيلَة، وذَواتِ الزُّيُوت الأربع: الزَّيْتُون والسِّمْسِم والقُرْطُم وحَبِّ الفُجْل.

وذهب الشافعية إلى أن الزكاة لا تجب إلَّا في القوت مِن الزروع والثمار، والقوت هو ما به يعيش البَدَن غالبًا، فيخرج ما يؤكل تَنَعُّمًا أو تَدَاوِيًا؛ فتجب في العِنَب والتَّمْر مِن الثمار خاصةً، وتجب في الحنطة والشعير والأُرْز والعَدَس وسائر ما يُقتات اختيارًا؛ كالذرة والحمص والبَاقِلاء، ولا تجب في السِّمسِم والتِّبن والجَوْز واللَّوْز والرُّمَّان والتفاح ونحوها قولًا واحدًا.

فالمالكية والشافعية متفقون على أن الثمار لا زكاة فيها، ما عدا التمر والعنب، ويتفقون في قدرٍ واجبٍ في زكاة الزروع والحبوب، وهو ما يُقتات منها، مِن قمحٍ وشَعيرٍ وأُرْزٍ وذُرةٍ وحِمَّصٍ وعَدَسٍ وأمثالها مِمَّا تقـوم البِنية بتعاطيه وتكتفي وتستغني به، ويشترط أن يكون ذلك القوتُ مِمَّا يَصلح للادخار بحيث لو ادُّخر للاقتيات لم يفسد؛ قال الإمام ابن قدامة في “المغني” (3/ 4): [قال مالك والشافعي: لا زكاة في ثمرٍ، إلَّا التمر والزبيب، ولا في حَبٍّ، إلَّا ما كان قوتًا في حالة الاختيار لذلك، إلَّا في الزيتون، على اختلافٍ] اهـ.

والمذهب عند الحنابلة أن الزكاة تجب في كل ما استنبته الآدميون مِن حبوبٍ وثمارٍ، بشرط أن يجمع وصف الكيل مع إمكانية الادِّخار، ويشمل عندهم سبعة أنواع: ما كان قوتًا، والقطنيات، والأبازير، والبذور، وحب البقول، والثمار التي تجفف، وما يُكال ويُدَّخَر وإن لم يكن حَبًّا ولا ثمرًا.

وفي رواية عن الإمام أحمد أنه لا زكاة إلا في الأصناف الأربعة كما سبق.

ومذهب السادة الحنفية له وجاهته، وهو أن الزكاة تجب فيما يُقصَدُ به استِنْماء الأرض دون غيره، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 267]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]؛ فذَكَر الله تعالى النعمة في القوت والفاكهة، وأوجب الحق منها كلها فيما تنوع حاله كالكرم والنخيل، وفيما تنوع جنسه كالزرع، وفيما ينضاف إلى القوت من الاستسراج الذي به تمام النعمة في المتاع بلذة البصر إلى استيفاء النعم في الظلم.

قال القاضي ابن العربي المالكي في “أحكام القرآن” (2/ 282، ط. دار الكتب العلمية)؛ يشرح وجه الدلالة في هاتين الآيتين على مذهب الإمام أبي حنيفة: [وقد أفادت هذه الآية وجوب الزكاة فيما سمَّى الله سبحانه، وأفادت بيان ما يجب فيه من مخرجات الأرض التي أجملها في قوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]، وفسرها هاهنا؛ فكانت آية البقرة عامةً في المخرج كله، مُجملة في القَدْر؛ وهذه الآية خاصةً في مُخرَجات الأرض مجملةً في القَدْر، فبينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أُمِر بأن يبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم، فقال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ»؛ فكان هذا بيانًا لمقدار الحق المُجمل في هذه الآية] اهـ.

وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه هو ما اختاره الإمام القاضي ابن العربي المالكي، وأيَّده ودافع عنه؛ فقال في “أحكام القرآن” (2/ 284): [فالذي لاح بعد التردد في مسالكه أن الله سبحانه لما ذكَّر الإنسان بنعَمِه في المأكولات التي هي قوام الأبدان وأصل اللذات في الإنسان، عليها تنبني الحياة، وبها يتم طيب المعيشة، عدَّد أصولها تنبيهًا على توابعها، فذكر منها خمسة: الكَرْم، والنخل، والزرع، والزيتون، والرمان، فالكرم والنخل يؤكل في حالين: فاكهةً وقوتًا، والزرع يؤكل في نوعين: فاكهةً وقوتًا، والزيت يؤكل قوتًا واستصباحًا، والرمان يؤكل فاكهةً محضة، وما لم يذكر مما يؤكل لا يخرج عن هذه الأقسام الخمسة. فقال تعالى: هذه نعمتي فكلوها طَيِّبةً شرعًا بالحل، طَيِّبةً حِسًّا باللذة، وآتوا الحق منها يوم الحصاد، وكان ذلك بيانًا لوقت الإخراج، وجعل -كما أشرنا إليه- الحق الواجب مختلفًا بكثرة المؤنة وقلتها، فما كان خفيف المؤنة قد تولى الله سقيه ففيه العشر، وما عظمت مؤنته بالسقي الذي هو أصل الإتيان ففيه نصف العشر] اهـ.

ثم ذكر أن الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» إنما جاء للعموم في كل مسقيٍّ، ويقتضي دخول جميع أصناف ما يؤكل من النبات، من غير استثناء أيِّ صنفٍ منها؛ فقال في “أحكام القرآن” (2/ 286): [إن الحديث جاء للعموم في كل مسقيٍّ، ولتفصيل قدر الواجب باختلاف حال المُوجِبِ فيه، ولا يتعارض ذلك؛ فيمتنع اجتماعه، وقد مهَّدناه في أصول الفقه] اهـ.

ومما سبق بيانه من مذهب الإمام أبي حنيفة يتبيَّن قوةُ مَسْلَكه وموافقته لعموم الأدلة، واتِّساقه مع الحكمة من مشروعية الزكاة ورعاية مصلحة الفقير وشكر المَوْلى جلَّ شأنه؛ قال القاضي ابن العربي في “عارضة الأحوذي” (3/ 219، ط. دار الكتب العلمية): [وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلًا، وأحوطها للمساكين، وأولاها قيامًا بشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث] اهـ.

وبِناءً على ما سبق: فالذي نراه أنفع للفقير إعطاءُ الزكاة فيما يؤكل من نبات الأرض إذا بلغ النصاب واجتمعت فيه شروط الزكاة؛ عملًا بقول الإمام أبي حنيفة ومن وافقه من العلماء، واستيعابًا لما نصَّ عليه الفقهاء فيما تجب فيه الزكاة من النبات؛ ولأن مسألة الربح التي حولها مدار حكمة إخراج الزكاة لم تعد تتفاوت بحسب نوع المزروع فقط، وإنما تدخل فيها عوامل أخرى كالكمية المزروعة، والتصدير، وارتباط عملية الزراعة بعملية التصنيع، فيكون العمل بقول الإمام أبي حنيفة هو الأصل، فإن ضاق الأمر على المكلَّف بحصول الضرر والخسارة من جراء ارتفاع كلفة النباتات وعدم تغطية الإنتاج لها تغطيةً كافية فله أن يقلد القول المرويَّ عن الإمام أحمد في هذه المسألة؛ فيقتصر على أقل قدرٍ قال به الفقهاء في إخراج الزكاة، وهو من الثمار: التمر والعنب، ومن الحبوب: القمح والشعير، وبه يحصل أداء فريضة الزكاة في حقه.

ومقدار الزكاة في الزروع: العُشر فيما سقت السماء، ونصف العشر فيما سقي بآلةٍ مِن مجموع نتاج الأرض إذا زاد عن خمسة أوسقٍ، وهي تساوي 612 كيلوجرامًا، والأصل أن تخرج الزكاة مِن جِنس الزرع المُزَكَّى عنه، ويجوز إخراج زكاة الزروع نقدًا بقيمة سعرها يوم الحصاد.

وبِناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن جميع الأصناف المذكورة هي مما تخرج عنه الزكاة على مذهب الإمام أبي حنيفة، ويكون مقدار الزكاة الواجبة فيها نصف العشر مِن مجموع نتاج الأرض إذا زاد عن خمسة أوسقٍ وهي تساوي 612 كيلوجرامًا؛ لأنه يعتبر مسقيًّا بآلةٍ، والأصل أن تخرج الزكاة مِن جِنس الزرع المُزَكَّى عنه، ويجوز إخراج زكاة الزروع نقدًا بقيمة سعرها يوم الحصاد).


اضف تعليق

اضف تعليق

البريد الالكترونى لن يتم نشره