الرئيسية / غير مصنف / ما حكم الإسلام فى سبى داعش للنساء؟

ما حكم الإسلام فى سبى داعش للنساء؟

 ارتكبت داعش الكثير من الجرائم باسم الإسلام، ومن بين تلك الجرائم سبى النساء؛ وبيع بنات ونساء المسيحيات والإيزيديات، استنادا إلى حجج شرعية تجتزأ من سياقها ويحرف مدلولها؛ لذا نقدم هنا من خلال سلسلة كايرو دار لفتاوى دار الافتاء المصرية رأى أهل العلم فى ذلك.

ما حكم الإسلام فى سبى داعش للنساء؟

يجيب الأستاذ الدكتور شوقى إبراهيم علام، مفتى الجمهورية قائلا: (حذر الإسلام من الخوارج، ونبَّهت الآياتُ القرآنيةُ إلى عدم الاغترار بما يسوقونه من كلام باطل؛ يُضلُّون به عن سبيل الله، ويسعَوْن به للتلبيس على العقول، ويشوهون دين الله وشريعته، مبررين إفسادهم في الأرض، وإهلاكهم للحرث والنسل، وولوغَهم في الدماء، وانتهاكهم للحرمات، وجراءتهم على الأعراض، وقد كشف القرآن الكريم حقيقةَ هؤلاء المجرمين؛ مبينًا أن سلوكهم هذا ناجمٌ عن أمراض نفسية يلبسونها ثوب الإسلام كذبًا وزورًا، وإنما هي جرائم وآثام ولَّدَتْها أحقادُ القلوب واللددُ في الخصومة؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ • وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ • وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206].

وجاءت السنة النبوية الشريفة بأوصاف هؤلاء المجرمين؛ محذِّرةً من الاغترار بهم والوقوع في ضلالتهم، آمرةً المسلمين بالوقوف ضدهم، والضرب على أيديهم، والعمل على حسم باطلهم وصد عدوانهم؛ ففي “الصحيحين” من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «يَأْتي في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنْ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وفي “الصحيحين” أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو يصف المعترض على قسمته: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ؛ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ».

وفي “صحيح مسلم” عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم أنه قال: «مَنْ خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ؛ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ».

وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، وأبو يعلى، والبزار، من حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، وَسَيَجِيءُ قَوْمٌ يُعْجِبُونَكُمْ، وَتُعْجِبُهُمْ أَنْفُسُهُمْ، يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِم وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِم، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ عَلَى فُوْقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وقَتَلُوه، يَدْعُونَ إِلَى كتاب اللهِ وَلَيْسُوا مِنَ الله فِي شَيْءٍ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللهِ مِنْهُمْ»، قيل: يا رسول الله! من هم حتى نعرفهم؟ قال: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا».

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَرَأَ كِتَابَ اللهِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ بَهْجَتَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ رِدَاءُ الْإِسْلَامِ أَعَارَهُ اللهُ إِيَّاهُ، اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَضَرَبَ بِهِ جَارَهُ وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّامِي أَحَقُّ بِهَا أَمِ الْمَرْمِيُّ؟ قَالَ: «الرَّامِي» أخرجه ابن أبي عاصم في “السنة” والطبراني في “مسند الشاميين” -واللفظ له- من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، وأخرجه البزار وابن حبان من حديث حذيفة رضي الله عنه.

وروى الإمام مسلم في “صحيحه” من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في وصف أمثال هؤلاء: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ».

وروى ابن أبي شيبة في “المصنف”، وابن المنذر وابن أبي حاتم في “التفسير”، والآجري في “الشريعة”، والطبراني في معجميه “الصغير” و”الكبير”، و”مسند الشاميين”، عن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه وصف الخوارج فقال: «كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ».

يقول الإمام العارف الحكيم الترمذي رحمه الله في “نوادر الأصول” (1/ 387، ط. دار النوادر): [فهم كما وصفهم الله: يتبعون ما تشابه من القرآن، يبتغون بها الفتنة، حملوا الخاص على العام، والعام على الخاص، وتمسكوا بآخر الآية، ولَهَوْا عن أولها.. فالمؤمن يستر، والمؤمن يرحم ويعطف، والمؤمن يحوط ويستغفر، ويتوقى أن يلومَ ويُعَيِّرَ، ويرجو له من الله المغفرة والرحمة، ويُرجيه ويُؤَمِّله. وهذا المفتون يهتك، ويعيِّر، ويؤنب، ويؤيس، ويقنط، ويكفر، فهذه أخلاق الكلاب، وبفعلهم وبقولهم كلبوا على عباد الله، ونظروا إليهم بعين البغضة والملامة، فلما دخلوا النار، صاروا في هيئة أعمالهم كلابًا كما كانوا على الموحدين في الدنيا كلابًا] اهـ.

وقد بيَّن الصحابة رضي الله عنهم -بما فهموه عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم- مدخلَ ضلالة هؤلاء الخوارج؛ وذلك أنهم أتَوْا إلى الآيات التي نزلت في المشركين فجعلوها في المؤمنين، تركًا للمحكَم واتِّباعًا للمتشابه؛ فروى ابن أبي شيبة في “المصنف”، وسعيد بن منصور في “السنن”، وإسماعيل القاضي في “أحكام القرآن”، وابن جرير الطبري في “التفسير”، وابن أبي داود في “المصاحف”، وأبو إسماعيل الهروي في “ذم الكلام” عن ابن طاوس عن أبيه قال: ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما الْخَوَارِجَ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: “يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ”، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ﴾ “ويقول الراسخون في العلم: آمنا به”.

وروى ابن وهب في كتاب المحاربة من “موطئه”، والطبري في مسند علي من “تهذيب الآثار”، وعلقه الإمام البخاري في “الصحيح” من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعًا: كيف كان رأيُ عبدِ الله بن عمر رضي الله عنهما في الحرورية، قال: كان يراهم شرار خلق الله؛ قال: “إنهم انطلقوا إلى آيات أُنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين”.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بظهور هؤلاء الخوارج المجرمين، وأن الأمة ستُبتَلَى بهم، وأن خروجهم سيتكرر، ولكن الله سيقطع دابرهم وشرهم في كل خَرْجَةٍ يخرجونها؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الْأَعْمَالَ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ، فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ، وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ. كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قَطَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “فردد ذلك رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمعُ” أخرجه الإمام أحمد في “المسند” واللفظ له، وابن ماجه في “السنن”.

وقد ابتليت الأمة الإسلامية بهذا الفكر الأهوج الأعوج الذي أصابها في أمنها ودمائها وأعراضها؛ فاستحلت هذه الشراذم الفاسدة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم -فضلًا عن غير المسلمين-، وأبى هؤلاء الخوارج إلا أن يُلبِسوا فسادَ أخلاقهم وخبثَ أغراضهم ثوبَ الدين بغيًا وعدوانًا وكذبًا على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحاربوا الخلق على اعتناق عقائد فاسدة لا علاقة لها بالإسلام، ولا يشهد لها نقل صحيح ولا عقل صريح، وكثير مما يقومون به لا يعدو أن يكون محاكاةً هزلية لِمَا جاء في أحاديث آخر الزمان؛ كالرايات السود والرايات الصفر والمهدي، وغير ذلك.

ولَمَّا خرج الخوارج أول مرة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تصدَّى لهم أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونال شرف جهادهم وكشف باطلهم ودحر شرهم، وجاءت عنه بعضُ الآثار التي تَحْمِلُ مِن أوصافهم ما لا يقال مِن قِبَل الرأي؛ فأخرج الإمام الحافظ نعيم بن حمَّاد المروزي في كتاب “الفتن” (برقم: 573): من طريق قاضي مصر عبد الله بن لَهِيعةَ، عن أبي قَبِيل، عن أبي رومان، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ فَلَا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلَا أَرْجُلَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ، لَا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلَا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ».

ولا يشك ناظرٌ في انطباق هذه الصفات على خوارج هذا العصر؛ خاصةً منهم مَن تسمَّوْا (داعش) التي ورد السؤال بشأن أفعالها المنكرة، وجرائمها الأثيمة؛ فإنهم أطلقوا على أنفسهم لقب “الدولة”، وقد نُزِعَت الرحمة من قلوبهم، ولا يوفون بالعهود، وكذلك أسماؤهم وألقابهم وشعورهم! وفي هذا الخبر تنبيه على ضعف عقولهم ورِقَّةِ أديانهم، وهوانهم عند الله وعند الناس، رغم كل الفساد الذي يمارسونه، وأنهم أحقر على الله تعالى من أن يفسح لهم في الزمان ما يستمرون به في تشويه دينه، ويصدون به الخلق عن سبيله، كما أن فيه إيذانًا بقرب اندحار باطلهم، وبشارةً بسرعة كسر شوكتهم.

ولا يُعتَرَضُ على هذا الأثر بدعوى الضعف في سنده؛ فإن الحق أن شهادة الواقع بصدق الأخبار باب جليل تتقوى وتعتضد به، وقد صحح جماعةٌ من المحدِّثين أخبارًا ضعُفت أسانيدُها؛ لمطابقتها للواقع، وعدُّوا هذا من طرق التصحيح المعتمَدة.

أما عن استرقاقهم نساء غير المسلمين: فهو من جرائمهم النكراء، وأفعالهم الدَّنيَّة التي تدل على دناءة نفوسهم، وقبح أخلاقهم، وأنهم إنما يلعبون بأديانهم. والتكييف الشرعي الصحيح لهذه الجريمة النكراء: أنها بيع محرَّم للحرائر، وتقنين فاضح للاغتصاب، وانتهاك إجرامي للأعراض، وإكراه على البغاء، ودعوة إلى الفاحشة، وشرعنة للدعارة والزنا، وحرابة وإفساد في الأرض، وانتهاك لذمة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم!! وكلها كبائر حرمتها الشريعة وشددت في عقوباتها وحدودها، وأمرت بالأخذ على يد مرتكبيها، ولا يجوز أن يُنسَبَ ذلك إلى شريعة الإسلام السمحة -بل ولا إلى أي شريعة من الشرائع السماوية- التي حرَّمت هذه الكبائر الموبقات، وحاربت تلك الجرائم النكراء.

وهؤلاء المجرمون قد جعلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم خصمَهم يوم القيامة؛ فقد روى أبو داود في “سننه”، وابن زنجويه في “الأموال”، والبيهقي في “السنن الكبرى” عن صَفْوانَ بنِ سُليمٍ، عن عدةٍ (وعند ابن زنجويه والبيهقي: عن ثلاثين) مِنْ أبناءِ أصحابِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، عن آبائِهِم دِنْيَةً (أي ملاصقي النسب) عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قالَ: «ألَا مَن ظلم مُعاهَدًا، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طِيبِ نفسٍ: فأنا حجيجُه –أي: خصمُه- يوم القيامة»، زاد ابن زنجويه والبيهقي: وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصبعه إلى صدره «ألَا ومَن قتل مُعاهَدًا له ذمة الله وذمة رسوله حرم الله ريح الجنة عليه وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفًا».

قال الحافظ العراقي في “شرح التبصرة والتذكرة” (ص: 191): [وهذا إسنادٌ جَيِّدٌ، وإنْ كانَ فيهِ مَنْ لم يُسَمَّ؛ فإنَّهُم عِدَّةٌ مِنْ أبناءِ الصحابَةِ يبلغونَ حَدَّ التواترِ الذي لا يُشتَرطُ فيهِ العدالةُ] اهـ.

والإسلام لم يأمر بالرق قط، ولم يرد في القرآن نص على استرقاق الأسرى، وإنما نزل الوحي في وقت كان نظام الرِّقِّ والاستعباد فيه سائدًا في كل أنحاء العالم، وعرفًا دوليًّا يأخذ به المحاربون جميعًا، فكانت من حكمة الشرع الشريف أنه أذن للمسلمين في مبدأ المعاملة بالمثل، ولم يلغ الرقَّ جملةً واحدةً، بل اختار أن يجفف منابعه وموارده حتى ينتهي هذا النظام كلُّه مع الزمن؛ فجعل الحرية هي الأصل، وأمر بالإحسان إلى الأرقاء، ورغَّب في عتقهم أيَّما ترغيب؛ حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَرِّثُهُ، وَمَا زَالَ يُوصِينِي بِالْمَمْلُوكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا أَوْ وَقْتًا إِذَا بَلَغَهُ عَتَقَ» رواه الحافظ البيهقي في “السنن الكبرى” و”شعب الإيمان”، وقال: “صحيح على شرط البخاري ومسلم”، وحسَّنه السيوطي.

وأكثرَت الشريعة مِن أسباب العتق؛ حتى صار من الأمور المعلومة ضرورةً من دين الإسلام: تشوُّفه الشديد إلى تحرير العبيد وإنهاء الرق؛ كما نرى في الكفارات، والتحلل من تكليفه أو ظُلْمه أو ضَرْبه.

ورغم أن العُرفَ الدوليَّ قد سار ردحًا من الزمن على إقرار السبي والاسترقاق في الأزمنة الغابرة، إلَّا أن التشريع الإسلامي -من أول لحظة- كان واضحًا في تشريع ما يقضي على ظاهرة الرقِّ المجتمعية، ثم أُلغِيَ الرقُّ في العالم، وتعاهدت الدول على منع تجارة الرقيق، وأصبح الرِّقُّ بذلك جريمةً باتفاق كل أمم الأرض، وشاركتهم الدول الإسلامية في إقرار هذه المواثيق والتوقيع على تلك العهود التي نصت على منع الرق وتجريمه؛ انطلاقًا من مقصود الشارع الحكيم:

فتم في برلين سنة 1860م تقريبًا، توقيعُ الاتفاقية الدولية لتحرير الرق القاضية بتجريم الاسترقاق والاتِّجار فيه، وذلك بمشاركة دولة الخلافة الإسلامية العثمانية.

وفي الرابع من أغسطس عام 1877م في عهد الخديوي إسماعيل وقعت الحكومة المصرية مع الحكومة البريطانية على اتفاق بالإسكندرية يقضي بحظر تجارة الرقيق، وفرض عقوبات مشددة عليها.

وفي الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1926م، وُقِّعت اتفاقية منع الرق، وكانت بمثابة ميثاق مُلزِمٍ أبرمته كل الدول الأعضاء في عُصبة الأُمم، للقضاء على الرق وتجارة الرقيق والسخرة.

وتتابعت الاتفاقيات الدولية بتجريم الاسترقاق وتجارته، حتى بلغت المئات.

وباتفاق دول العالم وتعاهدها مع المسلمين على منع الاسترقاق انعدمت أسباب الرق، وصار الناس كلُّهم على أصل الحرية التي خلقهم الله تعالى عليها.

قال الإمام ابن قدامة الحنبلي في “المغني” (6/ 112، ط. مكتبة القاهرة): [الأصل في الآدميين الحرية؛ فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارًا، وإنما الرق لعارض، فإذا لم يُعلَم ذلك العارضُ فله حكم الأصل] اهـ.

وهذه الاتفاقيات عقود مبرمة وعهود منعقدة، فهي ملزمة للمسلمين فيما تم الاتفاق عليه؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» أخرجه أبو داود والترمذي وصححه واللفظ له.

كما أن اشتراك المسلمين مع غيرهم من الأمم في الأهداف الأخلاقية السامية، والمبادئ الإنسانية العامة، ورعاية مصالح البشر، هو من جنس شريعة الإسلام وليس أجنبيًّا عنها، وكل ما كان كذلك فالتعاون عليه محمودٌ والأخذ به مستحسَنٌ، والالتزام به والتعاهد عليه مُلزِمٌ شرعًا؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حلف الفضول وغيره؛ فروى محمد بن إسحاق في “السيرة”، -ومن طريقه البيهقي في “سننه الكبرى” وغيره- عن طلحة بن عبد الله بن عوف رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ، وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ».

وبذلك ارتفعت كلُّ أحكام الرقيق وملك اليمين المذكورة في الفقه الإسلامي لذهاب محلها، وصار الاسترقاق محرَّمًا لا يجوز، وجريمة لا تُقِرُّها الشريعة الغراء.

وبِناءً على ذلك: فما يفعله هؤلاء الخوارج المسمَّوْن (بداعش) وغيرُهم، من اختطافٍ للنساء المسيحيات والإيزيديات وتسلُّطٍ عليهن بدعوى سَبْيهنَّ واسترقاقهن: إنما هو بيعٌ للحرائر، وتقنين للاغتصاب، وإكراه على البغاء، وحرابة وإفساد في الأرض، ونقض لذمة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكلُّها من كبائر الذنوب، وموبقات الآثام، وعظائم الجرائم، التي توعَّد الله تعالى فاعليها بالعذاب الشديد والعقاب الأليم، ولا شأن للإسلام بهذه الأفعال الإجرامية في شيء).

 

 

موضوعات متعلقة

بعد الخلع… هل ترد الشبْكة للزوج؟

 

ما حكم الهجرة غير الشرعية؟

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *