الرئيسية / الأدب و الشعر / ننشر قصة حفرة نصف سوداء للطالبة الموهوبة يؤنا نبيل
يؤنا نبيل
يؤنا نبيل

ننشر قصة حفرة نصف سوداء للطالبة الموهوبة يؤنا نبيل

“يؤنا نبيل” موهبة مختلفة في الأدب القصصي خيالها يسبح في الملكوت، كما أنها تدرس الطب وهي الموهبة التي قد نشر  لها موقع كايرو دار في العام الماضي موضوع عن اجتهادها في الكتابة وعلاجها للمرضى بالشعر،  وفى السطور القادمة سوف يقدم لك موقع كايرو دار قصة حفرة نصف سوداء للطالبة يؤنا نبيل وظروف كتابة هذه القصة فتابعنا من خلال هذا التقرير.

يؤنا تسأل نفسها عن الاحتياجات النفسية والجسدية للإنسان

يؤنا نبيل
يؤنا نبيل

روت الطالبة “يؤنا نبيل”  الظروف التي جعلتها تكتب قصة “حفرة نصف سوداء”، فقد عبرت عن انشغال عقلها عن لماذا لم يشبع الإنسان ، بالإضافة إلى الاحتياجات  النفسية و الجسدية وأيضا الروحية التي تظل تصرخ بداخلنا، فالحفرة السوداء هي تلك الاحتياج الملح الذى لم يشبع بعد، إضافة إلى  أننا مهما حاولنا ملئه سيظل ثقب أسود لا يمكن امتلاءه.

وأشارت إلى  شيء آخر ألهمها أيضا لكتابة تلك القصة وهى اغنية “وشوش شواطئك الرملية يا بحر” لعبير نعمة  وأما عن الذى قد فجر تلك القصة في عقل يؤنا كان حوار في صالون أدبي ، ولكنها لا تتذكر الحوار تفصيليا ولكن عند رجوعها إلى المنزل قامت على الفور بكتابة تلك القصة.

يؤنا تستدعى الخيال لكتابة حفرة نصف سوداء

يؤنا
يؤنا

وأضافت: “هذه القصة تعتبر من القصص اللي اعتمد فيها على الاجتهاد اكتر من الإلهام، فجلست فترة طويلة لم اكتب شيئا وبرغم من هذا كان يراودها شغف ظللت تبحث عن الفكرة، ولم تكن مشاعرها ملئ مثل باقي القصص الأخر ولكنها كانت تحاول أن تهيئ لنفسها الجو المناسب للكتابة فقد استدعت الإلهام ولا تنتظره وكانت هذه أولى المرات التي تفعل هذا، وإليكم القصة التي قامت بتأليفها الفنانة الصغيرة يؤنا نبيل.

قصة حفرة نصف سوداء

يؤنا نبيل
يؤنا نبيل

بخلاف معظم الشعراء و الفنانين الذين يستمدون إلهامهم في أحيانٍ كثيرة من البحر ،رأي هو في البحر مرآة نقية لذاته و أعماقه .لم ينظر للبحر ككيان منفصل عنه بل أحب هو أن يكون بحراً و قد أعتاد أصدقاؤه أن ينادوه في مرحٍ “يا بحر” .لم يزد بحر عن كونه إنساناً نهماً وجوعاناً لاغتراف أكبر قدر ممكن من الحياة . 

ينظر الناظر إلي بحر فيراه عميقاً جداً ،تملؤه الشعاب المرجانية و تتهافت ذرات الماء المالح علي الرقص فوق رماله .لكن بحر كان يشعر دائماً بالجوع و الخواء التام في أعماقه ،لم يستطع أن يؤمن بقيمة الشعاب المرجانية المدفونة فيه .و كانت كلما تهافتت ذرات الماء المالح علي الرقص فوق رماله ،شعر بالجوع أكثر و تناثر اللا معني علي شواطئه بعنفٍ أشد .

حين ينظر إلى رماله البنية الشقراء ،يراها سوداء قاتمة قابلة لابتلاع أكبر قدر ممكن من الإنجازات و العلاقات دون أن يتغير لونها ،دون أن يتأثر مقدار عمقها ،و دون أي اختلاف في درجة جوعه و فراغه .

عجباً لك يا بحر ! كيف تشعر بالفراغ يا من تملأ أكثر من ثلثي الكرة الأرضية ؟ كيف تشعر بالوحشة و أنت أنيس مفضل لكثيرين ؟كيف تشعر بمرارة الخواء و غربة الانفصال عن عمق كيانك ،ثم تخرج يداك لتحتوي أناساً باسرارهم و آهاتهم غصات حلقهم ؟

 

أخذ بحر يحاول بكل عنفوان قوته أن يسدد فراغ حفرته السوداء ،سامحاً لكل عابر سبيل أن يخترق حدود خصوصياته ،آملاً في شبعٍ بعيد المنال .

أقبلت اليه فلوكة صغيرة متهادية في مرحٍ و خفة و استأذنته بلطف :

_ سيد بحر ،أود أن أمخر عبابك اليوم في نزهة ،هلا سمحت لي ؟ 

_ بالتأكيد يا صغيرتي لكن لدي شرط بسيط 

_ تفضل سيد بحر بكل سرور 

_ أشعر يا فلوكة بفراغ عميق في داخلي ،كأن هناك حفرة سوداء تؤدي إلي ما لا نهاية و تصرخ جائعة مطالبة بتدخل عميق لشخص يملأها ،يهدهدها قليلاً ليهدأ صراخها 

_ حسناً سيد بحر ،لكن كيف يمكنني أنا أن أساعدك ؟

_ أود لو تبحري علي مستوي أعمق من السطح قليلاً ،يا حبذا لو غصتِ بكليتك في مائي ،حتي أغمرك تماماً و أشعر بجسمك ينام في قلب حفرتي فتهدأ ،أتفهمينني ؟

أرتعبت فلوكة و غاصت عيناها قبل أن تتفوه كلمة واحدة :

_ لكن سيد بحر ،لكن هذا ضد طبيعتي الخشبية و هي الطفو علي سطحك ،لو غصت فيك سأتهشم و أنتهي و يموت ركابي 

_ فلتجربي ،أرجوكِ فلنحاول 

أرتعشت عضلات فلوكة قبل أن تجري مسرعة لتستقبل ركابها الذين سوف يبحرون مداعبين البحر بمجدافهم . ظلت فلوكة مرتعبة طوال الرحلة اذ خافت أن يجتذبها بحر بقوة أمواجه إلي العمق فيختل توازنها و تموت .ودت لو تحذر ركابها لكنها للأسف لم تتقن لغة الحوار معهم ،فظلت قلقة تميل يميناً و يساراً حسب اتجاه الرياح . أحس بحر ببعض السعادة حين رأي فلوكة الجميلة تتهادي فوقه ،و كأنه أمتلكها للحظاتٍ قصيرةٍ .شعر بنشوة ما حين أنشغل بمتابعة حركة مجدافها و أحاديث ركابها ،و حين أحس أنها تخشاه و تهاب جنونه و هيجانه .لكن لم يشبع هذا التواصل السطحي مع فلوكة بحر ،فما ان انتهت رحلة فلوكة حتي عادت حفرة بحر لتصرخ و تئن بداخله .و لم يكن بوسعه أن يفعل شيئاً لاجتذاب فلوكة إلي أعماقه ،علها تكف عن الصراخ .. 

“وجدتها “

أنطلقت صرخة ظافرة من فم بحر أقوي من صرخاته الداخلية العنيفة ،حين خطرت بباله فكرة .نظر بحر الي السماء فوجد قرص الشمس لامعاً في كبدها ،ناشراً أشعته الذهبية كحبات زهرٍ فوق الأمواج ،ملوناً السحب بلون ذهبي معطياً إياها طابعاً ملوكياً .

عندئذ تسارعت الأسئلة في رأسه :ألست أنا المحتوي الأعظم لقرص الشمس و لولاي لما شرقت و لا غربت و لا أنارت العالم ؟أليست تشرق صاعدة ببطء من ورائي حتي تستقر في مكانها علي السحاب ؟و حين تنوي الغروب تسقط ببطء في كفي فاحفظها حتي فجرٍ جديد ؟

كان شلال الأفكار في رأس بحر ساماً ،لكن مذاقه اللحظي بطعم عسل النحل الحلو في فمه .اذ لم يهتم بحر بمدي صدق و منطقية أفكاره لكنه أستمتع بكونه سيداً خيالياً للحظات .ظل غارقاً في أحلام اليقظة طيلة النهار ،و أنتظر حتي قرب غروب الشمس ليصارحها باكتشافاته :

_ هيا صغيرتي ،اسقطي ،اريدك أن تجتاحي كياني كله و تملائي حفرتي 

_ اسقط ؟ عفواً أنا لا أسقط سيد بحر 

_ بلي ! تسقطين كل يوم في كفي و أهدهدك حتي تنامي ليلاً داخلي 

_ قلت لك لا أسقط ،أنا دائمة الإشراق و السطوع بطبيعتي 

_لا أطلب منكِ شيئاً باهظاً سيدتي ،أطلب فقط أن تسقطي بداخل حفرتي الصارخة داخلي لتسكنيها

_ أنت من تتحرك سيد بحر بحكم دوران الكرة الأرضية ، و هكذا تختفي من أمامي و تظلم بينما أظل أنا ساطعة في بقعة أخري من الأرض .

_ يا سيدتي لا ،ليس هذا ما أراه كل يوم ! أنتِ تسقطين ببطء كل يومٍ باشارة صغيرة من اصبعي 

_ أنت تري ذلك فقط من منظورك الضيق ،بينما الحقيقة …

 انخفض صوت الشمس رويداً رويداً من أذنه حتي صار لا يسمع أي شيء اذ قد أتمت الأرض دورتها و صارت بالفعل خلف الشمس . أخذ يصرخ عالياً و تعالت فوق صرخاته لمناداة الشمس ،آنات داخلية أشد وطأة ترفع صوتها مطالبة بملء الحفرة .

حاول بحر أن يخرس هذه الأصوات و يميتها ،حاول أن ينكر جوعه و نفسه التي لا تشبع أبداً من الحياة ، حاول أن يكبت احتياجاته الطفلة تحت ستار أحلام اليقظة لكنه فشل :لم تفلح حتي محاولاته للاستغاثة ليلاً ،لأنه أدرك وحدته ، و أن صرخاته لن يسمعها أحد ،و لن ترتد عليه حاملة شيئاً سوي صدي الصوت .

_ ستظل وحيداً متروكاً بلا قيمة هكذا ؟ 

_ لست وحيداً أنا صديق الفلوكة و الشمس و الكثير من البشر يعشقونني .

_ هل يصارع أحد من هؤلاء معك جوعك و مخاوفك ليلاً ؟

_ لا

_ اذاً أنت وحيد 

_ بلي ! انني أراهم و أحادثهم يومياً !

_ محادثات سطحية للغاية ، لا تنفذ أعمق من فمك .

_ أنت مخطيء ،لقد أخبرتهم بأمر الحفرة مراراً .

_ و هل فهموا ؟

_ ليس تماماً علي ما أعتقد .

_ اذاً أنت تحابه الألم وحدك ،لا أحد يفهم ما بداخلك .

_ لا بأس من أن أكون وحدي لبعض الوقت .

_ بل كل الوقت ،جوعك يزداد و حفرتك صارخة و الهوة لا تلبث أن تتسع إلي ما لا نهاية ..

_ ماذا تريد مني ؟

_ لا شيء ،ألفت أنتباهك فقط .

_ لا أحد مسئول عن حفرتي ،انها تخصني أنا ..

_ اذا لماذا تطالبهم بملئها ؟

_ فلتصمت أرجوك ، الآن !

ظل بحر في مبارزة عنيفة مع أصواتاً بداخله ، ظل يصارع طيلة الليل كأن أسماك القرش فتحت أفواهها كلها لتجادله دفعة واحدة .

طفت علي سطح بحر دموعاً زرقاء داكنة خلفتها معركته الدامية مع ذاته .و لم يشعر بمرور الوقت إلا حين رأي الشمس تخرج ببطء من ورائه و هو لا يزال مستيقظاً يحاول أن يصمد في وجه أصواته .و حين مل الصمود بدأ يزبد ،و تعالت أمواجه أكثر من أي وقت مضي ،و قد حملت الأمواج في داخلها أفكار الوحدة و مشاعر الخواء ،و الدموع الداكنة علي شاطئه .

لاحظت الشمس هياجه و دموعه لكنها أبت أن تسأله ،و أكتفت بأن أخفت الدموع باشعتها البراقة لتعيد لبحر مظهره الباسم المعتاد …

و بينما كان صديقنا غارقاً في دموعه الداكنة و مزاجه السيء ،شعر بحركة ما غريبة عن المعتاد .كان معتاداً علي صخب الأطفال السابحين فيه و عنف حركات الأيدي و الأرجل الضاربة لجزيئاته لتفسح طريقاً لها .لكنه شعر كأن هناك حبل ضعيف يربطه بشخصٍ ما يستحم بداخله و بتيار من القوة الخارجة عنه و المنطلقة اليه بسبب هذا الشخص .مسح دموعه الداكنة و فتح عينيه ليبحث عن مصدر القوة ،و أخذ يتفحص ملامح السابحين ،و يدقق النظر فيما يدور بخلدهم ،و يحاول جاهداً إدراك ما يستنبطه من مشاعرهم ،حتي وجده !

شاب في أواخر العشرينات ،ترتسم حول عينيه أخاديد عميقة سوداء ،و قد نحتت علي جبهته آثار تقطيبٍ و يأسٍ قديم العهد ،تلك الملامح كانت ملامح وجهه فوق سطح الماء ،أما حين يغوص و يلامس الماء ملامحه تتبدل هيئته ،و ترتسم ملامحه كملامح طفل في الرابعة من عمره مبتسماً آمناً في حضن أمه . آنذاك ينتقل شعور الأمان المتبادل بين هذا الشاب و بحر .و بالرغم من ابتهاج بحر بمشاعر الأمان و القوة و الألم المختلطة المتبادلة بينه و بين الشاب إلا أنه لم يستطع أن يدرك سبب تغيير ملامحه أثناء الغوص .

أخذ يتابع حركاته بشغف ، و يري وجهه الباسم حين يستسلم لحركة الأمواج و ينام واثقاً فيها لتحمله . ثم تأمل سكينته الداخلية و ابتهاجه بالغوص ،و شاركه غضبه المفاجيء و ضربات أطرافه العنيفة حين يرتفع وجهه عن الماء .

لاحقه بحر و هو خارجاً من الماء و أصغي لحديثٍ دار بينه و بين رجل آخر في أواخر الأربعينات – فهم فيما بعد أنه طبيبه النفسي- ،و قد قص عليه الشاب فيض من الذكريات أستعادها حين غاص وجهه في الماء . كانت تلك ذكريات سعيدة مع أمه التي فقدها في الرابعة من عمره ،اذ تذكرها باسطة زراعيها له ليسبح فوقهما ،و قد شعر بحضورها و معيتها لأول مرة منذ أكثر من عشرين عاماً .

تألم بحر لألم الشاب و تيقن أنه ليس وحيداً في ألمه ،أو في حفرته ،أو حتي في حاجته إلي السلام و السكينة فقد تضوَّر الشاب جوعاً لهذه كلها .

و تشابكت مشاعر متضاربة داخل بحر ، بين ألمٍ و انفطار قلب لأجل قصة الشاب التي رواها لطبيبه النفسي علي مسمع من بحر ،و بين ابتهاج لأنه كان -دون وعي منه ربما – وسيطاً أعاد للشاب ذاته المفقودة ،و طفله الداخلي المفقود منذ أن فقد أمه .

و في المقابل استعاد بحر شيئاً من سكينته و أمانه ،شعر بكيانه الحقيقي لأول مرة ،و أيقن أنه موجود و مؤثر و حي !و حتي بعدما رحل الشاب لم يعد فارغاً تماماً و وحيداً تماماً مثلما حدث مع الفلوكة و الشمس .لكنه شعر شعوراً مختلفاً بالحب و بالشبع ،لم تتوقف حفرته السوداء عن الصراخ كما لم تمتليء بالطبع .لكنه أدرك فيما بعد أنها لن تمتليء و لن تتوقف أيضاً عن الصراخ ،و إنما سيتم ترميم جدرانها لتصبح أقل سواداً و أقل وحشة ،حين يفتح بحر أحضانه لأحتواء آخرين .اذ كما أخبرته الفلوكة أنها دائمة الطفو، و كما أخبرته الشمس أنها دائمة السطوع ،عرف بحر أخيراً أنه هو أيضاً يملك ما يميزه ،فهو رحم آمن مفتوح الأذرع ،دائم الأحتضان و الأحتواء للمتألمين …

موضوعات متعلقة

يؤانا” .. طالبة الطب تعالج المرضى بالشعر  

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *